وفي الصحيحين١ عنه ﷺ من وجوهٍ متعددةٍ: أنه أمر بقتلى بدر، فأُلقُوا في قَلِيب. ثم جاء حتى وقف عليهم، وناداهم بأسمائهم: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقًّا؟ فإنّي وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا". فقال له عمرُ: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوامٍ٢ قد جَيَّفوا٣؟ فقال: "والذي بعثني بالحقِّ ما أنتم بأسمَعَ لما أقول منهم، ولكنَّهم لا يستطيعون جوابًا".
وثبت٤ عنه ﷺ: أنّ الميِّت يسمع قَرْعَ نعال المشيِّعين له، إذا انصرفوا
(١) أخرجه البخاري في الجنائز (١٣٧٠) وغيره عن ابن عمر، وعنه وعن أبي طلحة في المغازي (٣٩٨٠، ٣٩٧٦). وأخرجه مسلم في كتاب الجنة من حديث عمر (٢٨٧٣) وأنس (٢٨٧٤) وأبي طلحة (٢٨٧٥).
(٢) في حاشية (ق) إشارة إلى أن في نسخة: "قوم".
(٣) جيَّف الميِّتُ: أنتن.
(٤) من "وثبت عنه" إلى "وإن لم يسمع المسلم الردّ" في (ص ١٧) نقله ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٧) بشيء من الاختصار دون إشارة إلى ابن القيم.
عنه١.
وقد شرع النبيُّ ﷺ لأمَّته، إذا سلَّموا على أهل القبور، أن يسلموا عليهم سلامَ مَن يخاطبونه، فيقول المسلِّم٢: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين"٣. وهذا خطاب لمن يسمعُ ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطابُ بمنزلة خطاب المعدوم والجَماد٤.
والسلف مجمِعون على هذا٥، وقد تواترت الآثار٦ عنهم بأنّ الميّتَ يَعرف بزيارة الحيِّ له ويستبشر به.
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في "كتاب القبور"، باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء٧:
حدثنا محمد بن عَوْن، حدثنا يحيى بن يَمَان٨، عن عبد الله بن
(١) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، وسيأتي بتمامه في (ص ١٥٧).
(٢) "المسلم" ساقط من (ق).
(٣) أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي هريرة (٢٤٩)، وفي الجنائز عن عائشة (٩٧٤).
(٤) انظر الاستدلال بعينه بهذا الحديث عند شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٤، ٣٦٣). وقال في الموضع الأخير: "فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطَب من يَسمَع". وهو يرى "أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال ... ".
(٥) (ب، ج، ط): "ذلك".
(٦) في (ب): "الأخبار"، وأشير في حاشية (ق) أيضًا إلى هذه النسخة.
(٧) كتاب القبور مطبوع، ولكنه ناقص، فلم يرد فيه شيء من الأخبار التي نقلها المؤلف هنا، وسأخرجها عمن عزا إلى كتاب القبور وغيره.