وقد شرع النبيُّ ﷺ لأمَّته، إذا سلَّموا على أهل القبور، أن يسلموا عليهم سلامَ مَن يخاطبونه، فيقول المسلِّم٢: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين"٣. وهذا خطاب لمن يسمعُ ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطابُ بمنزلة خطاب المعدوم والجَماد٤.
والسلف مجمِعون على هذا٥، وقد تواترت الآثار٦ عنهم بأنّ الميّتَ يَعرف بزيارة الحيِّ له ويستبشر به.
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في "كتاب القبور"، باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء٧:
حدثنا محمد بن عَوْن، حدثنا يحيى بن يَمَان٨، عن عبد الله بن
(١) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، وسيأتي بتمامه في (ص ١٥٧).
(٢) "المسلم" ساقط من (ق).
(٣) أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي هريرة (٢٤٩)، وفي الجنائز عن عائشة (٩٧٤).
(٤) انظر الاستدلال بعينه بهذا الحديث عند شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٤، ٣٦٣). وقال في الموضع الأخير: "فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطَب من يَسمَع". وهو يرى "أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال ... ".
(٥) (ب، ج، ط): "ذلك".
(٦) في (ب): "الأخبار"، وأشير في حاشية (ق) أيضًا إلى هذه النسخة.
(٧) كتاب القبور مطبوع، ولكنه ناقص، فلم يرد فيه شيء من الأخبار التي نقلها المؤلف هنا، وسأخرجها عمن عزا إلى كتاب القبور وغيره.
(٨) في (ب): "أنبأنا ابن أبان"، وهو خطأ.
سِمْعان، عن زيد بن أسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما مِن رجل يزور قبر أخيه ويجلسُ عنده إلا استأنس به وردَّ عليه حتى يقوم"١.
حدثنا محمد بن قُدامة الجوهريُّ، حدثنا معن بن عيسى القزّاز، أخبرنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إذا مرَّ الرجل بقبرٍ يعرفه فسلَّم عليه ردَّ ﵇ وعَرَفه. وإذا مرَّ بقبر لا يعرفه فسلَّم عليه ردَّ ﵇٢.
حدثنا [٢ ب] محمد بن الحسين، حدثني يحيى بن بِسْطام الأصفر٣، حدثني مِسْمَع٤، حدثني رجلٌ من آل عاصمٍ الجَحدريِّ٥، قال: رأيت
(١) لم أجده في المطبوع من كتاب القبور. وإسناده ضعيف جدًّا؛ آفته عبد الله بن سمعان نُسب إلى جده، وهو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي المدني، قال الحافظ في التقريب: "متروك اتهمه بالكذب أبو داود وغيره". ومحمد بن عون شيخ ابن أبي الدنيا هو أبو عون الزيادي البصري، ثقة له ترجمة في الجرح والتعديل (٨/ ٤٨). والحديث عزاه ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٦٤) لابن أبي الدنيا، وأعلّه بعبد الله بن سمعان قال: "وهو متروك". (قالمي).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٢٩٦) عن ابن أبي الدنيا بسنده هذا، وقد سبق الكلام عليه في الحديث الأول.
(٣) ويقال له أيضًا: "المصفّر"، كما في لسان الميزان (٦/ ٢٤٣).
(٤) في (ز): "مسلم"، وفي (ب، ج): "مستمع". وكلاهما تحريف. وهومسمع بن عاصم، من عُبَّاد أهل البصرة. انظر: لسان الميزان (٦/ ٣٦).