الروح

قال: "اقرؤوا (يس) عند موتاكم"١.

وهذا يَحتمل أن يُراد به قراءتُها على المحتَضَر عند موته، فيكون مثل قوله: "لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله"٢. ويحتمل أن يرادَ به القراءةُ عند القبر٣. والأول أظهَرُ لوجوه:

الأول: أنه نظير قوله: "لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله".

  1. (١) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة (١٠٩١٣) من طريق عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار، به، فذكره.
    وأخرجه ابن حبان (٣٠٠٢) من طريق يحيى القطان، عن سليمان التيمي بإسناده، مثله.
    وأخرجه أبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والإمام أحمد (٢٠٣٠١، ٢٠٣١٤)، والحاكم (١/ ٥٦٥) من طرق عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان ــ وليس بالنهدي ــ عن أبيه، عن معقل بن يسار، به. وقال الحاكم: "أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك؛ إذ الزيادة من الثقة مقبولة".
    بل سبق أن يحيى القطان رفعه أيضًا كما في رواية ابن حبان، ورفعه أيضًا المعتمر بن سليمان عن أبيه، لكنه جعله عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار، به، نحوه مطولًا. أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٩١٤)، والإمام أحمد (٢٠٣٠٠).
    والخلاصة أن في أسانيده اضطرابًا وجهالة؛ لأن مداره على أبي عثمان وهو غير معروف وليس هو بالنهدي ــ كما جاء في الرواية ــ وكذا أبوه في الرواية الأخرى لا يُعرف أيضًا.
    قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٠٤): "أعلَّه ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه. ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث" اهـ. وضعَّفه النووي في الخلاصة (٢/ ٩٢٥)، والمجموع (٥/ ١١٠). (قالمي).
  2. (٢) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (٩١٦) وأبي هريرة (٩١٧).
  3. (٣) ما عدا (أ، غ، ق): "قبره".
25

الثاني: انتفاعُ المحتَضَر بهذه السورة لما فيها من التوحيد، والمعَادِ، والبشرى بالجنة لأهل التوحيد، وغبطةِ من مات عليه بقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]. فتستبشر الروح بذلك، فتحبُّ لقاءَ الله، فيحبُّ اللهُ لقاءَه. فإنَّ هذه السورة قلبُ القرآن١ ولها خاصِّية عجيبة في قراءتها عند المحتضَر.

وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي قال: كنَّا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول، وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء، وضحك، وقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. [٦ ب] وقضى٢.

الثالث: أنَّ هذا عملُ الناس وعادتُهم قديمًا وحديثًا: يقرؤون (يس) عند المحتضر.

الرابع: أنّ الصحابة لو فهموا من قوله ﷺ: "اقرؤوا (يس) عند موتاكم" قراءتَها عند القبر لما أَخلُّوا به، وكان ذلك أمرًا معتادًا مشهورًا بينهم.

الخامس: أنَّ انتفاعَه باستماعها، وحضورَ قلبه وذهنهِ عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود. وأما قراءتُها عند قبره، فإنه لا يثابُ على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع، وهو عمل، وقد انقطع من الميت.

  1. (١) يشير إلى ما رواه الترمذي من حديث أنس (٢٨٨٧).
  2. (٢) الذي في المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ٨٢) أن أبا عبد الله التكريتي الصوفي حدَّثه، قال: أسندتُه إليّ، فمات، فكان آخر كلمة قالها: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾. ومثله في كتاب الثبات عند الممات له (١٨١).
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي