وروى جرير، عن منصور، عن أبي الضحي، عن مسروق قال: قال أصحاب محمد ﷺ: ما ينبغي لنا أن نفارقك١ في الدنيا، فإذا مِتَّ رُفِعْتَ فوقنا، فلم نَرَك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء: ٦٩]٢.
وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار وهو يبكي إلى النبي ﷺ، فقال: "ما يُبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبيَّ الله والذي٣ لا إله إلا هو لأَنت٤ أحبُّ إليّ من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو لأنت أحبُّ إلي من نفسي. وإنّا نذكرك أنا وأهلي، فيأخذُني كذا حتَّى أراك. فذكرتُ موتَك وموتي، فعرفتُ أنّي لن أجامعك إلا في الدنيا٥، وأنّك تُرفَعُ في النبيين٦، وعرفتُ أنّي إن دخلتُ الجنة كنتُ في منزل أدنى من منزلك. فلم يَرُدَّ٧ النبي ﷺ٨ شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾٩
(١) (ب، ط): "نقاربك"، تصحيف.
(٢) تفسير الطبري ــ شاكر (٨/ ٥٣٤). وأخرجه ابن أبي حاتم (٥٦١٤).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[الفجر: ٢٧ - ٣٠]. أي ادخلي في جملتهم، وكوني معهم. وهذا يقال للروح عند الموت٢.
وفي قصة الإسراء من حديث عبد الله بن مسعود قال: "لما أسري بالنبي ﷺ لقي إبراهيمَ وموسى وعيسى ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ فتذاكروا الساعة، فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، ثم بموسى فلم يكن عنده منها علم، حتى أجمعوا٣ الحديثَ إلى [١٠ ب] عيسى فقال عيسى: عَهِد الله إليَّ فيما دون وَجْبَتها٤. فذكر خروج الدجال، قال: فأهبطُ، فأقتلُه. ويرجع الناس٥ إلى بلادهم فيستقبلهُم يأجوجُ ومأجوج، وهم من كلِّ حَدَب ينسِلون، فلا يمرُّون بماء إلا شربوه، ولا
(١) تفسير الطبري، طبعة التركي (٧/ ٢١٦). وهو ساقط من طبعة شاكر. وانظر: تفسير ابن المنذر (٧٨١). وروي مرفوعًا من حديث عائشة، أخرجه الطبراني في الصغير (٥٢)، والأوسط (٤٧٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧): ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة.
(٢) وقيل: عند البعث. وسيأتي في المسألة الثامنة أن ظاهر الآية يؤيد القول الأول. وقد رجّح في المسألة الرابعة عشرة ومدارج السالكين (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠) عدم التنافي بين القولين، فيقال لها ذلك عند الموت وعند البعث. وتبعه ابن كثير في التفسير (٤/ ٥١١).
(٣) "حتى أجمعوا" كذا في جميع النسخ. وفي المستدرك ــ وهو مصدر المؤلف ــ "فتراجعوا". وفي تفسير الطبري (١٥/ ٤١٣) وغيره: "فردُّوا الأمر".
(٤) الوجبة: صوت الشيء يسقط، فيسمع له كالهدّة. يعني: قيام الساعة.