فشواهد هذه المسألة وأدلَّتُها أكثرُ من أن يحصيَها إلا الله تعالى. والحسُّ والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات، كما تلتقي أرواح الأحياء. وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الزمر: ٤٢].
قال٣ أبو عبد الله بن منده٤: حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن الحسن٥ الحَرَّاني، ثنا جدِّي أحمد بن أبي شعيب، ثنا موسى بن أعيَن، عن مطرِّف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواحَ الموتى، ويرسل أرواحَ
(١) "فصل وأما" لم يرد في (ن).
(٢) في (ط، ج): "وهي أنه". (ق): "وهي هل".
(٣) من هنا إلى ما قبل: "وقد دلّ على التقاء ... " منقول بتصرف وتعليق عليه من مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥١ - ٤٥٣).
(٤) في كتاب الروح والنفس كما في الفتاوى.
(٥) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: "حسين". والصواب ما أثبتنا من الفتاوى وكتب الرجال. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٥٤).
الأحياء إلى أجسادها١.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره٢: ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا الحسين، ثنا عامر، ثنا أسباط، عن السدِّي في قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. قال: يتوفاها في منامها، فتلتقي روحُ الحيّ وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان، قال: فترجع روحُ الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها، وتريدُ روح الميت أن ترجع إلى جسده فتُحْبَسُ.
وهذا أحد القولين في الآية، وهو أنَّ الممسَكة مَن تُوفّيت وفاة الموت أولًا، والمرسَلة من توفيت وفاة النوم. والمعنى على هذا القول: أنه يتوفَّى نفسَ الميت، فيمسكها، ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة. ويَتوفَّى نفس النائم، ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها، فيتوفاها الوفاةَ الأخرى.
والقول الثاني في الآية٣: أنّ الممسَكة والمرسَلة في الآية كلاهما تُوُفِّيَ٤ وفاة النوم، فمن استكمَلت أجلَها أمسكها عنده، فلا يرُدُّها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلَها ردَّها إلى جسدها لتستكمله.
واختار شيخ الإسلام٥ هذا القول، وقال: عليه٦ يدلُّ [١٢ ب]
القرآنُ
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٢). وعزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٥١) إليه وإلى ابن منده وبقي بن مخلد.
(٢) لم أجده في المطبوع منه. وأخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٢١٦).
(٣) بعدها في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٢): "وعليه الأكثرون". وانظر أيضًا: (٩/ ٢٨٩).
(٤) كذا في جميع النسخ. والوجه: كلتاهما توفيت.
(٥) زاد في (ب، ط، ج): ﵀. وكلام الشيخ ليس فيه تصريح بأن هذا القول مختاره.