الروح

الأحياء إلى أجسادها١.

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره٢: ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا الحسين، ثنا عامر، ثنا أسباط، عن السدِّي في قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. قال: يتوفاها في منامها، فتلتقي روحُ الحيّ وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان، قال: فترجع روحُ الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها، وتريدُ روح الميت أن ترجع إلى جسده فتُحْبَسُ.

وهذا أحد القولين في الآية، وهو أنَّ الممسَكة مَن تُوفّيت وفاة الموت أولًا، والمرسَلة من توفيت وفاة النوم. والمعنى على هذا القول: أنه يتوفَّى نفسَ الميت، فيمسكها، ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة. ويَتوفَّى نفس النائم، ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها، فيتوفاها الوفاةَ الأخرى.

والقول الثاني في الآية٣: أنّ الممسَكة والمرسَلة في الآية كلاهما تُوُفِّيَ٤ وفاة النوم، فمن استكمَلت أجلَها أمسكها عنده، فلا يرُدُّها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلَها ردَّها إلى جسدها لتستكمله.

واختار شيخ الإسلام٥ هذا القول، وقال: عليه٦ يدلُّ [١٢ ب]

القرآنُ

  1. (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٢). وعزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٥١) إليه وإلى ابن منده وبقي بن مخلد.
  2. (٢) لم أجده في المطبوع منه. وأخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٢١٦).
  3. (٣) بعدها في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٢): "وعليه الأكثرون". وانظر أيضًا: (٩/ ٢٨٩).
  4. (٤) كذا في جميع النسخ. والوجه: كلتاهما توفيت.
  5. (٥) زاد في (ب، ط، ج): ﵀. وكلام الشيخ ليس فيه تصريح بأن هذا القول مختاره.
  6. (٦) ما عدا (أ، غ، ق): "يدل عليه".
57

والسنة. قال: فإنه سبحانه ذكر إمساكَ التي قَضَى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاةَ النوم. وأما التي توفاها حين موتها، فتلك لم يصفها بإمساكٍ ولا بإرسال، بل هي قِسْم ثالث١.

والذي يترجَّح هو القول الأول: لأنّه سبحانه أخبر بوفاتين: وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم. وقسَم الأرواح قسمين: قسمًا قضى عليها الموت، فأمسكها عنده وهي التي تَوفَّاها وفاة الموت. وقسمًا لها بقيةُ أجلٍ، فردَّها إلى جسدها إلى استكمال أجلها. وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حُكمَين للوفاتين المذكورتين أولًا: فهذه ممسَكة، وهذه مرسَلة. وأخبر أنَّ التي لم تمُت هي التي توفَّاها في منامها، فلو كان قد قَسَم وفاة النوم إلى قسمين: وفاة موت، ووفاة نوم = لم يقل: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ فإنها من حين قُبِضت ماتت. وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمُت، فكيف يقول بعد ذلك: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾؟

ولمن نصَرَ هذا القولَ أن يقول: قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ بعد أن توفّاها وفاة النوم. فهو سبحانه توفَّاها أولًا وفاة نومٍ، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك.

والتحقيق٢ أنَّ الآية تتناول النوعين، فإنه سبحانه ذكر وفاتين: وفاة

  1. (١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٣). ويريد بالسنة قول النبي ﷺ: "باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه. فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (متفق عليه). انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٥). وانظر: الردّ على المنطقيين (٤٨٥).
  2. (٢) من "والذي يترجح .. " كان من تعليق المصنف على كلام شيخه. ويوهم السياق أن هذا "التحقيق" أيضًا جزء من تعليقه. والواقع أنه من كلام شيخ الإسلام. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٣).
58

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي