نعيمَها نصفان: نصفٌ رُوحاني، ونصفٌ جسماني١. فيتنعَّمون أولًا بالروحاني، فإذا رُدَّت الأرواحُ إلى الأجساد أَضِيفَ لهم النعيم الجسماني إلى الروحاني٢.
وقال غيره: نعيم الجنة مرتَّب على العلم والعمل، وحظُّ بشرٍ من العمل كان أوفى من حظِّه من العلم٣، والله أعلم.
وقال بعض الصالحين: رأيتُ أبا بكر الشِّبلي في المنام، وكأنه قاعدٌ في مجلس الرُّصافة بالموضع الذي كان يقعد فيه. وإذا به قد أقبل، وعليه ثياب [١٧ ب] حِسان، فقمتُ إليه وسلَّمتُ عليه، وجلستُ بين يديه، فقلت له: مَنْ أقربُ أصحابِك إليك؟ قال: ألهَجُهم بذكر الله، وأقوَمُهم بحقِّ الله، وأسرَعُهم مبادرةً في٤ مرضاة الله٥.
وقال أبو عبد الرحمن الساحليُّ: رأيتُ مَيْسرةَ بن سُليم في المنام بعد موته، فقلت له: طالتْ غَيبتُك. فقال: السفر طويل. فقلت له: فما الذي قَدِمتَ عليه؟ فقال: رُخِّصَ لي، لأنّا كنّا نُفتي بالرُّخَص. فقلت: فما تأمرني به؟ قال: اتِّباع الآثار وصحبة الأخيار يُنجِّيان من النار، ويُقرِّبان من
(١) (ن): «جثماني» هنا وفي الموضع الآتي.
(٢) كتاب العاقبة (٢٢٦).
(٣) (أ، ق، غ): «في العلم».
(٤) (ن): «إلى».
(٥) كتاب العاقبة (٢٢٧). وكذا فيه أن هذا السؤال والجواب وقعا في المنام. وفي تاريخ بغداد (١٤/ ٤٢٨) أن أبا الحسن بن أنس العطار سمع الشبلي سئل فأجاب. يعني في اليقظة. وانظر: تاريخ دمشق (٦٦/ ٦٦).
الجبار١.
وقال أبو جعفر الضرير٢: رأيتُ عيسى بن زاذان بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول:
لو رأيتَ الحِسانَ في الخُلد حوليوأكاويبَ مَعْهُمُ٣ لِلشَّرابِ
وقال بعض أصحاب ابن جُريج: رأيتُ كأنّي جئتُ إلى هذه المقبرةِ التي بمكة، فرأيتُ على عامَّتها سُرادقًا، ورأيتُ منها قبرًا عليه سُرادق، وفُسطاط، وسِدرة. فجئتُ حتى دخلتُ، فسلَّمتُ عليه، فإذا مسلمُ بن خالد الزَّنْجي. فسلَّمت عليه، وقلت: يا أبا خالد، ما بالُ هذه القبور عليها سُرادق، وقبرُك عليه سُرادق وفُسطاط، وفيه سِدرة؟ فقال: إني كنتُ كثيرَ الصيام. فقلت: فأين قبرُ ابن جُريج؟ دُلَّني عليه، فقد كنتُ أجالسه، وأنا أحبُّ أن أسلِّم عليه. فقال هكذا بيده: هيهات، وأدار إصبعَه السبّابةَ: وأين قبرُ ابن جريج؟ رُفِعت صحيفته في عِلِّيِّين٥!
(١) كتاب العاقبة (٢٢٨).
(٢) كذا في العاقبة. وفي المنامات أن صاحب المنام إسحاق بن إبراهيم الثقفي، وهو أبو يعقوب الكوفي!
(٣) كذا ضمير الجمع المذكر للحسان في (أ، ب، ج، ق، غ). وفي (ط، ز)، المنامات: «معهنّ»، ولكنه يكسر الوزن. وفي (ن): «وأكاويب أشرعت بالشراب». وفي العاقبة: «وأكاويبها بصافي الشراب» ولعلهما من إصلاح النسّاخ.
(٤) كتاب العاقبة (٢٢٨). وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٤٦).