أظَلُّ نهاري مُستهامًا وتلتقيمع الليل روحي في المنام وروحُها٢
فإن قيل: فالنائمُ يرى غيره من الأحياء يُحدِّثه ويخاطبه، وربما كان بينهما مسافة بعيدة، ويكون المرئيُّ يقظانَ، روحُه لم تفارق جسدَه، فكيف التقت روحاهما؟
قيل: هذا إما أن يكون مثلًا مضروبًا، ضربه ملكُ الرؤيا للنائم٣، أو يكون حديثَ نفس من الرائي تجرَّد له في منامه، كما قال حبيبُ بن أوس٤:
سَقيًا لِطَيفِكَ مِن زَورٍ أتاكَ بهحديثُ نفسِك عنه وهو مشغولُ٥
(١) (ط): «العدوي». (ز): «العبدري». وكلاهما تحريف. و«العذري» ساقط من (ن). وفي (ب) تحرف «جميل» إلى «علي».
(٢) ديوان جميل (٥١).
(٣) «للنائم» ساقط من (ن).
(٤) هذا وهمٌ، فإن البيت الآتي لجِران العود النُّميري في ديوانه (١٠٠) عن منتهى الطلب. وسبب الوهم أن بيت النميري يُذكر مع قول أبي تمام: عادك الزَّورُ ليلةَ الرَّعْلِ مِن رَمْـ ... ـلَةَ بين الحِمَى وبين المَطالي نَمْ فما زارك الخيالُ ولكنْـ ... نَكَ بالفكر زُرتَ طيفَ الخيالِ للدلالة على أنّه أخذ معناه من قول النُّمَيري. وقال أبو تمام أيضًا: استزارته فكرتي في المنامِ ... فأتاني في خُفيةٍ واكتتامِ انظر: الموازنة للآمدي (٢/ ١٦٨).
(٥) «لطيفك»: كذا في (ن) والموازنة. وفي النسخ الأخرى: «لضيفك». وفي الديوان: «لِزَورك».
وقد تتناسب الرُّوحانِ وتشتدُّ علاقةُ إحداهما بالأخرى، فيشعر كلٌّ منهما ببعض ما يحدث لصاحبه، وإنْ١ لم يشعرْ بما يحدثُ٢ لغيره لشدة العلاقة بينهما، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب.
والمقصود أن أرواحَ الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواحُ الأحياء والأموات.
قال بعضُ السلف: إنَّ الأرواحَ تتلاقى في الهواء، فتتعارف، وتتناكر، فيأتيها ملكُ الرؤيا بما هو لاقيها من خير أو شر. قال: وقد وكَّلَ اللهُ بالرؤيا الصادقةِ ملَكًا علَّمه وأَلهمه معرفةَ كلِّ نفس بعينها، واسمِها، ومنقلَبِها في دينها ودنياها، وطبعِها، ومعارفِها؛ لا يشتبه عليه منها شيء، ولا يغلطُ فيها، فيأتيه نسخة٣ من علمِ غيب الله من أُمِّ الكتاب بما هو مُصيبٌ لهذا الإنسان [٢٠ أ] من خيرٍ وشرٍّ في دينه ودنياه. ويضربُ له فيها الأمثال والأشكال على قدر عادته، فتارةً يبشِّره بخير قدَّمه أو يقدِّمه، ويُنذره من معصية ارتكبها أو هَمَّ بها، ويحذّره من مكروه انعقدتْ أسبابه؛ لِيعارض تلك الأسبابَ بأسبابٍ تدفعها، ولغير ذلك من الحِكم والمصالح التي جعلها الله في الرؤيا نعمةً منه ورحمةً وإحسانًا وتذكيرًا وتعريفًا. وجعل أحدَ طُرق ذلك تلاقيَ الأرواح وتذاكُرَها وتعارفَها.
وكم ممن كانت توبتُه وصلاحُه وزهدُه وإقبالُه على الآخرة عن منامٍ رآه أو رُئِيَ له!٤ وكم ممن استغنى وأصابَ كنزًا أو دفينًا عن منام!