الروح

فأخبر أنه سوَّى النفس، كما أخبر أنه سوَّى البدن١ في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]، فهو سبحانه سوَّى نفسَ الإنسان كما سوَّى بدنَه، بل سوَّى بدنه كالقالَب لنفسه٢. فتسويةُ البدن تابعٌ لتسوية النفس، والبدن موضوعٌ لها كالقالَب لما هو موضوعٌ له٣.

ومن هاهنا يُعلم أنها تأخذ من بدنها صورةً تتميَّز بها عن غيرها، فإنها تتأثَّر وتنتقل عن البدن، كما يتأثَّر البدنُ وينتقل عنها. فيكتسبُ البدنُ الطيّبَ والخبيثَ من طيِّب النفس وخبيثها، وتكتسب النفسُ الطيِّب والخَبيثَ من طيِّب البدن وخبيثه٤. فأشدُّ الأشياء ارتباطًا وتناسبًا وتفاعلًا وتأثُّرًا من أحدهما بالآخر الروحُ والبدنُ. ولهذا يقال لها عند المفارقة: اخرُجي أيتها الروح٥ الطيبة كانت في الجسدِ الطيِّبِ، واخرُجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسدِ الخبيث٦.

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فوصفَها بالتوفِّي والإمساك والإرسال، كما وصفَها بالدخولِ والخروجِ

  1. (١) (أ، غ): «النفس كما سوى البدن».
  2. (٢) ساقط من (ب).
  3. (٣) (ن): موضوع لما هو له.
  4. (٤) كذا في جميع النسخ إلا (ن)، ففيها سقط واضطراب، فأثبتت مرة «الخبيث» وأخرى «الخبث».
  5. (٥) (ق): «النفس».
  6. (٦) سيأتي الحديث بتمامه في المسألة القادمة.
109

والرجوع والتسوية.

وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن بصرَ الميت يتبع نفسَه إذا قُبضت١.

وأخبر أن الملك يَقبِضُها، فتأخذها الملائكةُ من يده، فيوجد لها كأطيبِ نفحةِ مسك وُجدت على وجه الأرض، أو كأنتن٢ ريحِ جِيفةٍ وُجدت على وجه الأرض٣. والأعراض لا ريحَ لها، ولا تُمسَك٤، ولا تُؤخذ من يدٍ إلى يد.

وأخبر أنها تصعَدُ إلى السماء، ويصلِّي عليها كلُّ ملك لله بين السماء والأرض، وأنها تُفتح لها أبوابُ السماء، فتصعد من سماءٍ إلى سماء، حتى يُنتهَى بها إلى السماء التي فيها٥ الله ﷿، فتوقفُ بين يديه، ويأمر بكتابةِ اسمه٦ في ديوان أهل عِلِّيِّين أو ديوان أهل سِجِّين، ثم تردُّ إلى الأرض. وأنّ روح الكافر تُطرح طرحًا، وأنها تدخل مع البدن في قَبرها للسؤال٧.

وقد أخبر النبي ﷺ أن نَسَمةَ المؤمن ــ وهي روحه ــ طائرٌ يعلُقُ في شجر

  1. (١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (٩٢٠) وسيأتي نصه في المسألة التاسعة عشرة.
  2. (٢) (ن): «كأشرّ»، تصحيف.
  3. (٣) يشير إلى حديث البراء بن عازب، وهو حديث طويل سيأتي في أول المسألة القادمة.
  4. (٤) (ق): «مسك»، غلط.
  5. (٥) في (ق) طمس بعض القراء: «السماء التي فيها» وكتب مكانها: «بين يدي».
  6. (٦) ما عدا (أ، غ): «اسمها».
  7. (٧) كما في حديث البراء الطويل، وسيأتي بتمامه.
110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي