الروح

الذي عندنا بما عَلِمناه وعَرَفناه من صفات أرواحهم وما قام بها. وتميُّزُ الروح عن الروح بصفاتها أعظمُ من تميُّز البدن عن البدن بصفاته. ألا ترى أن بدنَ المؤمن والكافر قد يشتبهانِ كثيرًا، وبين روحَيْهما أعظمُ التباين والتميُّز. وأنت ترى أخوين شقيقين مشتبهين في الخِلْقة١ غاية الاشتباه، وبين روحَيْهما غايةُ التباين. فإذا تجردتْ هاتان الروحان كان تميُّزهما في غاية الظهور.

وأُخبركَ بأمرٍ إذا تأمَّلتَ أحوال الأنفس والأبدان شاهدتَه عِيانًا: قَلَّ أن ترى بدنًا قبيحًا وشكلًا شنيعًا إلا وجدتَه مُرَكَّبًا على نفسٍ تُشاكله وتناسبه، وقَلَّ أن ترى آفةً في بدن إلا وفي روح صاحبه آفةٌ تناسبها٢. ولهذا [٢٥ ب] تأخذ أصحاب الفراسة أحوالَ النفوس من أشكال الأبدان وأحوالها، فقلَّ أن تخطئ٣ ذلك. ويُحكَى٤ عن الشافعي ﵀ في ذلك عجائب٥.

وقلَّ أن ترى شكلًا حسنًا وصورةً جميلة وتركيبًا لطيفًا إلا وجدتَ الروح المتعلِّقةَ به مناسبةً له. هذا ما لم يُعارض ذلك ما يُوجِب خلافَه من تعلُّم وتدرُّب واعتياد.

وإذا كانت الأرواح العلوية ــ وهم الملائكة ــ متميزًا بعضهم عن بعض من غير أجسامٍ تحملهم، وكذلك الجن، فتميُّز الأرواح البشرية أولى.

  1. (١) (ط): «الخلقة والصورة».
  2. (٢) «وقل أن ترى آفة ... تناسبها» ساقط من (ق).
  3. (٣) (ب، ط): «يخطئ».
  4. (٤) (ب، ط، ن): «حكي».
  5. (٥) وقد حكى المصنف طائفة منها في مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٥١ ــ ٢٥٣).
114

فصل

وأما١ المسألة السادسة

وهي أنَّ الروح هل تُعاد إلى الميتِ في قبره وقتَ السؤال، أم لا تُعاد؟

فقد كفانا رسولُ الله ﷺ أمرَ هذه المسألة، وأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرَّح بإعادة الروح إليه، فقال البراء بن عازب:

كنا في جنازة في بقيع الغَرْقد، فأتانا النبيُّ ﷺ، فقعد، وقعدنا حوله، كأنّ على رؤوسنا الطير، وهو يُلحَدُ له، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» ثلاث مرات. ثم قال: «إن العبدَ المؤمن٢ إذا كان في إقبالٍ من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة٣ كأنَّ وجوهَهم٤ الشمس، فجلسوا٥ منه مدَّ البصر. ثم يجيء ملكُ الموت حتى يجلِسَ عند رأسه، فيقول: أيتها النفسُ الطيِّبة، اخرُجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان».

قال: «فتخرُج تَسيل، كما تسيل القطرةُ من فِي السِّقاء، فيأخذُها. فإذا أخذَها لم يَدَعوها في يده طرفةَ عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحَنُوط، ويخرج منها كأطيبِ نفحةِ مسكٍ وُجدَتْ على وجه الأرض».

  1. (١) «فصل وأما» لم يرد في (ن). ولم يرد «وأما» في (ز).
  2. (٢) «المؤمن» من (أ، غ).
  3. (٣) (ن): «ملائكة».
  4. (٤) (ب، ط، ن): «على وجوههم».
  5. (٥) (أ، ز، غ): «يجلسوا». (ق): «يجلسون».
115

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي