إسماعَ الأرواح بعد الموت إسماعَ توبيخٍ وتقريع، بواسطة تعلّقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي١. والله أعلم.
وحقيقةُ المعنى: إنك لا تستطيع أن تُسمِعَ من لم يشأ٢ الله أن يُسمعَه. إن أنت إلا نذير، أي: إنما جعل الله لك الاستطاعةَ على الإنذار الذي كلَّفك إياه، لا على إسماع من لم يشأ الله إسماعَه.
وأما قوله: إن الحديث لا يصحُّ لتفرُّدِ المِنهال بن عمرو وحده به٣، وليس بالقوي؛ فهذا من مجازفته ﵀٤. فالحديث صحيحٌ، لا شكَّ فيه. وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان، منهم: عَدي بن ثابت، ومحمدُ بن عقبة، ومجاهد.
قال الحافظ أبو عبد الله بن منده في كتاب «الروح والنفس»٥: أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني٦، أنا أبو النضر هاشمُ بن القاسم، ثنا عيسى بن المسيب، عن عَدِي بن ثابت، عن
(١) وانظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٤).
(٢) (أ، غ): «لو يشاء».
(٣) «به» من (ط).
(٤) سيأتي الردّ على تضعيف المنهال.
(٥) وقد نقله منه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٢ ــ ٤٤٤).
(٦) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: «الصفار». وهو تحريف. والصواب ما أثبتنا من الفتاوى. وقد ولد محمد بن إسحاق الصفار سنة ٢٨٩، وتوفي سنة ٣٧١. (تاريخ بغداد ١/ ٢٦٠، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٩). وقد توفي محمد بن يعقوب بن يوسف وهو أبو العباس الأصم سنة ٢٧٧، فكيف يحدث عن الصفار؟
البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جِنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحَدْ. فجلس، وجلسنا حوله١ كأنَّ على أكتافنا فِلَقَ الصخر، وعلى رؤوسنا الطير. فأرَمَّ٢ قليلًا ــ والإرمام: السكوت ــ فلما رفع رأسه قال:
«إن المؤمنَ إذا كان في قُبُل [٢٩ ب] من الآخرة، ودُبُر من الدنيا، وحضره ملكُ الموت؛ نزلت٣ عليه ملائكةٌ معهم كفن من الجنة، وحَنوط من الجنة، فجلسوا منه مدَّ البصر. وجاء ملَك الموت، فجلس عند رأسه، ثم قال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرُجي إلى رحمة الله ورضوانه. فتسيل نفسُه كما تقطُر القطرة من السِّقاء. فإذا خرجتْ نفسه صلَّى عليه كلُّ من بين السماء والأرض٤ إلا الثقلين. ثم يصعَد به إلى السماء، فتُفتح له السماء٥. ويُشيِّعه مقرَّبوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة
(١) «حوله» من (ن). وفي (ق): «فجلسنا وجلس».
(٢) «أرمَّ» و«الإرمام» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة بالزاي، وهو تصحيف من النسَّاخ. ولعلهم ظنّوا علامة الإهمال في أصولهم نقطة. وفي (ط) حاشية نصّها: «قال في المجمل: الأزم: الإمساك، في الزاي مع الميم». وذهب على المحشي أنّ التصريح بمصدره في الحديث قاطع بأنه من (ر م م)، لا من (أزم). نعم، يروى في حديث آخر: «فأرمَّ القومُ»، و«فأَزَم ...» النهاية (٢/ ٢٦٧). ولكن راوي حديثنا نصّ بذكر المصدر على أن الفعل هنا بالراء.
(٣) (ب، ط، ز): «نزل». وفي (ز) بعد «عليه» زيادة: «من السماء».
(٤) (ن): «كل شيء بين ...». وفي مجموع الفتاوى: «كل ملك». وفي (ز): «كل شيء في ...». وفي (ب، ط، ج): «كل شيء بين الأرض والسماء».