قالوا١: ونحن نرى المصلوب على خشبته٢ مدةً طويلة، لا يسأل ولا يجيب، ولا يتحرّك، ولا يتوقَّد جسمُه نارًا؛ ومن افترسته السباع، ونهشَتْه٣ الطيور، وتفرّقت أجزاؤه في أجواف السباع، وحواصل الطيور٤، وبطون الحيتان٥، ومدارج الرياح= كيف تُسأَلُ أجزاؤه مع تفرُّقها؟ وكيف يُتصوَّر مسألةُ٦ الملكين لِمَن هذا وصفُه؟ وكيف يصير القبر على هذا روضةً من رياض الجنة أو حفرةً من حفر النار؟ وكيف يضيق عليه حتى تلتئم أضلاعه؟
ونحن نذكر أمورًا يُعلم بها الجواب:
الأمر الأول٧: أن يُعلَم أنّ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تُحيله العقول، وتقطع باستحالته. بل أخبارهم قسمان:
أحدهما: ما تشهد به العقول والفِطَر٨.
الثاني: ما لا تدركه العقول بمجرَّدها، كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب.
(١) قارن بالتذكرة (٣٧٣ ــ ٣٧٤).
(٢) (ق، ن، ز): «خشبةٍ». (ط): «الخشبة».
(٣) في (ق) كتب فوق الشين «معًا» يعني بالمهملة والمعجمة كلتيهما.
(٤) ما عدا (ق، ز): «حواصل السباع وأجواف الطيور».
(٥) ما عدا (ب، ط، ط): «الحيّات». وفي التذكرة: «أجواف الطير، وبطون الحيتان، وحواصل الطير».
(٦) (ب): «تتصور مساءلة».
(٧) «الأمر» ساقط من (ب).
(٨) (ق، ن، ز، غ): «الفطن»، تصحيف.
ولا يكون خبرهم مُحالًا في العقول أصلًا. وكلُّ خبر يُظَنُّ١ أنَّ العقل يُحيله، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقلُ فاسدًا. وهو شبهة خيالية يظنُّ صاحبُها أنَّها معقول صريح. قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[سبأ: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾[الرعد: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾[الرعد: ٣٦]. والنفوس لا تفرح بالمحال.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ٥٧ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾[يونس: ٥٧، ٥٨]. والمحال لا يَشفي، ولا يحصل به هدًى ولا رحمةٌ، ولا يُفرَح٢ به.
فهذا أمرُ مَن لم يستقرَّ في قلبه خيرٌ، ولم يثبُتْ له على الإسلام قدمٌ، وكان أحسن أحواله الحيرة والشكّ.
فصل
الأمر الثاني٣: أن يُفهَم عن الرسول ﷺ مرادُه من غير [٤٠ ب] غلُوٍّ ولا
(١) (ق): «نظن». وهو مضبوط في (ط).
(٢) (ط): «فلا يفرح».
(٣) أورد أوله شارح الطحاوية (٣٩٦) بشيء من التصرف دون إشارة إلى ابن القيم.