الروح

وأما عَصْرةُ القبر حتى تختلف بعضُ أضلاع الموتى، فلا يردُّه حِسٌّ ولا عقل ولا فطرة. ولو قُدِّر أنَّ أحدًا نبش عن ميِّت، فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف [٤٢ ب]، لم يمنع١ أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة٢. فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرَّدُ تكذيب الرسول.

ولقد أخبَرَ بعضُ الصادقين٣ أنَّه حفر ثلاثة أقْبُر، فلما فرغ منها اضطجع ليستريح، فرأى فيما يرى النائم ملَكَين نزلا، فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخًا في فرسخ. ثم وقفا على الثاني، فقال: اكتب ميلًا في ميل. ثم وقفا على الثالث، فقال: اكتب فِتْرًا في فتر. ثم انتبه، فجيء برجل غريب لا يُؤْبَه له، فدُفن في القبر الأول. ثم جيء برجل آخر، فدفن في القبر الثاني. ثم جيء بامرأة مُترَفة من وجوه البلد حولها ناس كثير، فدُفِنتْ في القبر الضيِّق الذي سمعتُه٤ يقول: فِتْرًا في فِتْر. والفِتْر: ما بين الإبهام والسبَّابة.

  1. (١) (ب، ط، ن، ج): «لم يمتنع».
  2. (٢) (ب، ط، ن، ج): «العصر».
  3. (٣) (ط): «الصالحين». وقد نقل المصنف هذه القصة بنصها من تذكرة القرطبي (٣٨٧) ولكن سياقه مختلف عن سياق المصنف. قال القرطبي: «سمعتُ بعض علمائنا يقول: إن حفّارًا كان بقرافة مصر يحفر القبور، فحفر ثلاثة أقبر ...». فالعالم الذي أخبر بالقصة لم يكن حفَّارًا، ولا صرَّح بأنه سمع القصة من الحفّار نفسه.
  4. (٤) (ب): «سمعه». وهو مقتضى السياق، ولكن يظهر أن ناسخها أصلح ما في سائر النسخ. هذا، وفي التذكرة: «سَعتُه فِترًا في فِتر» (كذا).
191

فصل

الأمر الخامس١: أنَّ النار التي في القبر والخُضْرة٢ ليست٣ من نار الدنيا ولا من٤ زرع الدنيا، فيشاهدَه مَن شاهد نار الدنيا وخُضرَتها. وإنما هي٥ من نار الآخرة وخضرتها، وهي٦ أشدُّ من نار الدنيا. ولا يحسُّ به أهل الدنيا، فإن الله سبحانه يُحْمي عليه ذلك الترابَ والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظمَ حرًّا من جمر الدنيا. ولو مسَّها أهل الدنيا لم يحسُّوا بذلك.

بل أعجبُ من هذا أنَّ الرجلين يُدفنان، أحدُهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حُفَر النار، لا يصل حرُّها إلى جاره. وذلك في روضة من رياض الجنة، لا يصل رَوْحُها ونعيمُها إلى جاره.

وقدرة الربِّ تعالى أوسع وأعجب من ذلك. وقد أرانا من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجبُ من ذلك بكثير، ولكنَّ النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تُحِط به علمًا، إلا من وفَّقه الله وعصمه. فيفرَش للكافر لوحان من نار، يشتعل عليه قبرُه بهما كما يشتعل التنور. فإذا شاء الله سبحانه أن يُطلِع على ذلك بعضَ عَبيده٧ أطلعه، وغيَّبه عن غيره؛ إذ لو اطَّلع عليه العباد

  1. (١) لخَّصه شارح الطحاوية (٣٩٦) دون إشارة إلى المصنف.
  2. (٢) في (ب، ج) هنا وفيما يلي: «خَضِر» مكان «الخضرة».
  3. (٣) (ب، ط): «ليس».
  4. (٤) هنا وقع خرم كبير في (ز) امتدَّ إلى المسألة التاسعة عشرة.
  5. (٥) (ب، ط، ج): «هو».
  6. (٦) (أ، ب، ط، ج): «هو».
  7. (٧) (ب، ط، ن، ج): «عباده».
192

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي