الروح

كلُّهم لزالت حكمةُ١ التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافَنَ الناس، كما في الصحيح٢ عنه ﷺ: «لولا أن تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر [٤٣ أ] ما أسمع».

ولما كانت هذه الحكمة منفيَّةً في حقّ البهائم سمعت ذلك وأدركته٣، كما حادت برسول الله ﷺ بغلتُه، وكادت تُلقِيه لمّا مرَّ بمن يُعذب في قبره٤.

وحدَّثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرُّزَيز٥ الحَرَّانيُّ أنه خرج من

  1. (١) في جميع النسخ: «كلمة» غير الأصل التي يحتمل رسمها قراءة «حكمة»، وهي الصواب.
  2. (٢) (أ، ق، غ): «الصحيحين» والحديث في صحيح مسلم، وقد سبق.
  3. (٣) (ق): «فأدركته».
  4. (٤) جزء من الحديث السابق.
  5. (٥) كذا في (أ، غ) بالراء والزاي مكررةً. وضبط بعض قراء (غ) بضم الراء وفتح الزاي مصغَّرًا. وهذا هو الصواب. وقد نصّ عليه في تبصير المنتبه (٦٤٢) وتوضيح المشتبه (٤/ ٢٩٤).
    وفي (ق): «رزين». وفي النسخ الأخرى والبداية والنهاية (١٨/ ١٧٩، ٤٥٨) والدارس (٢/ ٤١٧، ٤١٨): «الوزير»، وكلاهما تصحيف.
    وهو محمد بن عبد الواحد بن يوسف الحرّاني الآمدي (في البداية والنهاية: «الأسدي»، تحريف) الحنبلي. نعته ابن كثير بـ «الإمام العالم العابد الناسك الصالح خطيب الجامع الكريمي بالقُبيبات»، وأرخ وفاته في ١٧ شعبان من سنة ٧٤٣. وقد ضبط في السحب الوابلة (٩٩٤): «الرَّزيز» مكبّرًا، وقال محققه: «ولم أجده في مصدر آخر ــ يعني غير الدرر الكامنة (٤/ ٣٥) - لذا لا نحسن ضبط الرزيز» ومن ثم لم يقف على الصواب في تاريخ وفاته أيضًا، فاكتفى بالنقل من حاشية الدرر: «مات في رجب سنة ٧٩٦ هـ» مع التنبيه على أن الحافظ لم يذكره في وفياتها في إنباء الغمر.
193

داره بعد العصر بآمِدَ إلى بستانٍ. قال: فلمّا كان قبل غروب الشمس توسطتُ١ القبورَ، فإذا بقبر منها، وهو جمرةُ نار مثلُ كُور الزجَّاج٢، والميتُ في وسطه. فجعلتُ٣ أمسح عينيَّ، وأقول: أنائم أنا أم يقظانُ؟ قال: ثم التفتُّ إلى سور المدينة، وقلت: والله ما أنا بنائم. ثم ذهبت إلى أهلي، وأنا مدهوشٌ، فأتَوْني بطعام، فلم أستطع أن آكلُ. ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مَكَّاسٌ قد توفِّي ذلك اليوم٤.

فرؤيةُ هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجنِّ تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يُريه ذلك.

وقد ذكر ابن أبي الدنيا في «كتاب القبور»٥ عن الشعبي أنّه ذكر

  1. (١) (أ، غ): «توسط».
  2. (٢) ضبطه من (غ). وكور الزجّاج: مَوقده لصهر الزجاج.
  3. (٣) (ب، ط، ج): «وجعلت».
  4. (٤) (ن): في ذلك اليوم. وقد نقل الحكاية من كتابنا هذا ابن رجب في أهوال القبور (٦٩).
  5. (٥) برقم (٩٢)، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٨٩، ٩٠)، وفي سنده مجالد وهو ابن سعيد الهمداني فيه ضعف، وهو مرسل. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٧٨) بسنده عن مسلم (وهو ابن صُبَيْح أبو الضُّحى) نحوه ورجاله ثقات وهو مرسل أيضًا.
    وجاء موصولًا عن ابن عمر ﵄، رواه الطبراني في الأوسط (٦٥٦٠)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٧٣٩) من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن مالك بن مغول، عن نافع عن ابن عمر قال: «بينا أنا أسير، بجنبات بدر إذ خرج رجل من الأرض ...» فذكره بنحوه، وفي سنده عبد الله بن محمد بن المغيرة الكوفي نزيل مصر، له ترجمة في لسان الميزان (٣/ ٣٣٢) قال أبو حاتم: «ليس بقوي»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابع عليه». لكنه توبع على هذا الحديث، فرواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٣) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر. وإسناده لا بأس به في المتابعات.
    وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن لغيره. والله أعلم. (قالمي).
194

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي