الروح

الكتاب ــ مما أراه الله سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عِيَانًا.

وأما رؤية المنامِ، فلو ذكرناها لجاءت عدّة أسفار. ومن أراد الوقوفَ عليها، فعليه بكتاب «المنامات» لابن أبي الدنيا، وكتاب «البستان»١ للقيرواني، وغيرِهما من الكتب المتضمِّنة لذلك. وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيبُ بما لم يحيطوا بعلمه.

فصل

الأمر السادس٢: أنّ الله سبحانه يُحْدِث في هذه الدار ما هو أعجبُ من ذلك. فهذا جبريلُ كان ينزل على النبي ﷺ، ويتمثَّلُ له رجلًا، فيكلِّمه بكلام يسمعه. ومَن٣ إلى جانب النبي ﷺ لا يراه، ولا يسمعُه. وكذلك غيره من الأنبياء. وأحيانًا يأتيه الوحي في مثل صَلصلَة الجرس، ولا يسمعه غيره من الحاضرين.

وهؤلاء الجنُّ يتحدَّثون ويتكلَّمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمعهم. وقد كانت الملائكة تضرب الكفَّارَ بالسياط، وتضربُ رقابهم، وتصيح بهم؛ والمسلمون معهم لا يرونهم، ولا يسمعون كلامهم. والله سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يُحْدِثه في الأرض، وهو بينهم. وقد

  1. (١) لم ينقط ناسخ الأصل التاء، وأسنان السين أيضًا لم تبرز، فقرأه ناسخ (غ): «البيان» وكذا في نشرة دار ابن كثير. وقد سبق ذكر القيرواني في (ص ٩٤)، وسيأتي النقل من كتاب البستان هذا (ص ٥٤٤، ٥٥١، ٥٥٢).
  2. (٢) ما عدا (أ، ن، غ): «السابع» وهو خطأ. وهذا الأمر تفصيل الوجه الثاني من جواب القرطبي عن هذه المسألة. التذكرة (٣٧٥).
  3. (٣) (ب، ط): «ومن هو».
206

كان جبريل يقرئ النبي ﷺ، ويدارسُه القرآن، والحاضرون لا يسمعونه.

وكيف يستنكر من يعرف١ الله سبحانه ويُقِرُّ بقدرته، أن يُحدِثَ حوادثَ يَصرِفُ٢ عنها أبصارَ بعض خلقه٣، حكمةً منه ورحمةً بهم؛ لأنّهم لا يطيقون رؤيتها وسماعَها؟ والعبد أضعفُ بصرًا وسمعًا من أن يثبُتَ لمشاهدة عذاب القبر. وكثيرٌ٤ ممن أشهده الله ذلك صَعِق [٤٦ أ] وغُشي عليه، ولم ينتفع بالعيش زمنًا. وبعضهم٥ كُشِف قناعُ قلبه، فمات. فكيف ينكَر في الحكمة الإلهية إسبالُ غطاء يحول بين المكلَّفين وبين مشاهدة ذلك، حتى إذا كُشِفَ الغطاءُ رأوه وشاهدوه عيانًا.

ثم إنّ العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميِّت وصدره، ثم يردَّه بسرعة. فكيف يعجزُ عنه الملَك؟ وكيف لا يقدر عليه مَن هو على كل شيء قدير؟ وكيف٦ تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره، لا

  1. (١) (ن): «يعبد».
  2. (٢) (ن): «تُصرَف».
  3. (٣) (ن): «أبصار خلقه».
  4. (٤) ما عدا (ن): «وكثيرًا» ولم يتبين لي وجه نصبه.
  5. (٥) (ب، ط): «بالعيش وسأل بعضهم»، وهو تحريف طريف. والمصنف يشير إلى ما رواه ابن إسحاق في حديث شهود الملائكة غزوة بدر من قول الغفاري: «... إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعتُ قائلًا يقول: أقدِمْ حَيزومُ. فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلِكُ، ثم تماسكتُ». سيرة ابن هشام (١/ ٦٣٣).
  6. (٦) (ب، ط، ج): «فكيف».
207

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي