إسرائيل، وكالذين قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾[البقرة:٥٥] فأماتهم الله، ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف، وكقصة إبراهيم في الطيور الأربعة.
= فإذا أعاد الحياة التامَّة١ إلى هذه الأجساد بعد ما بَرَدت بالموت، فكيف يمتنع على قدرته الباهرة٢ أن يعيد إليها بعدَ موتها حياةً ما غيرَ مستقرَّة يقضي بها ما أمره فيها، ويستنطقُها بها، ويعذِّبها أو ينعِّمها بأعمالها؟ وهل إنكار ذلك إلا مجردُ تكذيب وعناد وجحود؟ وبالله التوفيق.
فصل
الأمر الثامن٣: أنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ عذاب القبر ونعيمَه اسمٌ لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة٤. قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون: ١٠٠]. وهذا البرزخ يُشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة.
وسمِّي عذابَ القبر ونعيمَه وأنه روضة٥ أو حفرةُ نار باعتبار غالب الخلق، فالمصلوبُ والحريق والغريق٦ وأكيل السِّباع والطيور، له من
عذاب البرزخ ونعيمه قِسْطُه الذي تقتضيه١ أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.
وقد٢ ظنَّ بعضُ الأوائل٣ أنّه إذا حُرِق جسده بالنار، وصار رمادًا، وذُرِي بعضه في البحر وبعضه في البرِّ٤ في يوم شديد الريح= أنه ينجو من ذلك، فأوصى٥ بنيه أن يفعلوا به ذلك. فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَّ فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي الله فسأله٦: ما حملك على ما فعلت؟ فقال٧: خَشْيتُك يا ربِّ، وأنت أعلم. فما تلافاه أن رحمه٨.
فلم يفُتْ عذابُ البرزخ [٤٧ ب] ونعيمه لهذه٩ الأجزاء التي صارت في هذه الحال، حتى لو عُلِّق الميت على رؤوس الأشجار في مهابِّ الرياح لأصابَ جسده من عذاب البرزخ حظُّه ونصيبُه. ولو دُفن الرجل الصالح في
(١) (ق، غ): «يقتضيه». ولم ينقط أوله في الأصل.
(٢) (أ، ق، غ): «فقد».
(٣) (ن): «أولئك»، تحريف.
(٤) في (ب، ج) قدّم البرّ على البحر.
(٥) (ب، ج)، «ما حرض» تحريف.
(٦) (ب، ط، ج): «قال».
(٧) (ب، ط، ج): «قال».
(٨) يشير إلى ما أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٨، ٣٤٨١) ومسلم في التوبة باب سعة رحمة الله (٢٧٥٦، ٢٧٥٧) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
(٩) في الأصل: «هذه» ولكن أخشى أن اللام لم تظهر في الصورة كما لم تظهر همزة الوصل من «الأجزاء».