عذاب البرزخ ونعيمه قِسْطُه الذي تقتضيه١ أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.
وقد٢ ظنَّ بعضُ الأوائل٣ أنّه إذا حُرِق جسده بالنار، وصار رمادًا، وذُرِي بعضه في البحر وبعضه في البرِّ٤ في يوم شديد الريح= أنه ينجو من ذلك، فأوصى٥ بنيه أن يفعلوا به ذلك. فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَّ فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي الله فسأله٦: ما حملك على ما فعلت؟ فقال٧: خَشْيتُك يا ربِّ، وأنت أعلم. فما تلافاه أن رحمه٨.
فلم يفُتْ عذابُ البرزخ [٤٧ ب] ونعيمه لهذه٩ الأجزاء التي صارت في هذه الحال، حتى لو عُلِّق الميت على رؤوس الأشجار في مهابِّ الرياح لأصابَ جسده من عذاب البرزخ حظُّه ونصيبُه. ولو دُفن الرجل الصالح في
(١) (ق، غ): «يقتضيه». ولم ينقط أوله في الأصل.
(٢) (أ، ق، غ): «فقد».
(٣) (ن): «أولئك»، تحريف.
(٤) في (ب، ج) قدّم البرّ على البحر.
(٥) (ب، ج)، «ما حرض» تحريف.
(٦) (ب، ط، ج): «قال».
(٧) (ب، ط، ج): «قال».
(٨) يشير إلى ما أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٨، ٣٤٨١) ومسلم في التوبة باب سعة رحمة الله (٢٧٥٦، ٢٧٥٧) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
(٩) في الأصل: «هذه» ولكن أخشى أن اللام لم تظهر في الصورة كما لم تظهر همزة الوصل من «الأجزاء».
أتُّون من النار لأصاب جسدَه من نعيم البرزخ ورَوحه نصيبُه وحظُّه، فيجعل الله النارَ على هذا بردًا وسلامًا، والهواءَ على ذلك١ نارًا وسَمُومًا. فعناصرُ العالم وموادُّه منقادة لربِّها وفاطرِها وخالقها، يُصَرِّفُها كيف يشاء٢. ولا يستعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طوع مشيئته، مذلَّلةٌ منقادةٌ لقدرته. ومَن أنكر هذا فقد جحدَ ربَّ العالمين، وكفر به، وأنكر ربوبيته.
فصل
الأمر التاسع٣: أن الموت معادٌ وبعث أوَّل، فإنَّ الله سبحانه جعل لابن آدم معادَين وبعثَين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
فالبعث الأول: مفارقةُ الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء٤ الأول.
والبعث الثاني: يومَ يردُّ الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثُها من قبورها إلى الجنة أو إلى النار، وهو الحشر الثاني. ولهذا في الحديث الصحيح: «وتؤمن بالبعث الآخر»٥، فإنَّ البعث الأول لا ينكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب.
(١) (ط): «هذا».
(٢) (ط): «شاء».
(٣) كذا في (ن، غ). وهو الصواب. ومما يستغرب أن الأصل الذي استمرّ على الصواب من الأمر الأول إلى الثامن أخطأ هنا وساير النسخ الأخرى.
(٤) (ن): «الحشر»، تصحيف. وانظر في تفسير «البعث الأول»: فتح الباري (١/ ١١٨).
(٥) أخرجه البخاري في التفسير (٤٧٧٧) ومسلم في الإيمان (٩) من حديث أبي هريرة.