متى يقال لها ذلك؟ فقالت طائفة: يقال لها ذلك١ عند الموت. وظاهرُ اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطابٌ للنفس التي قد تجرَّدت عن البدن، وخرجت منه. وقد فسَّر ذلك النبيُّ ﷺ بقوله في حديث البراء وغيره: «فيقال لها: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنك»٢. وسيأتي تمام تقرير هذا في المسألة التي يُذكَر فيها مُستقَرُّ الأرواح في البرزخ إن شاء الله تعالى٣.
وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مطابق لقوله ﵇[٤٩ ب]: «اللهم الرفيق الأعلى»٤، وأنت إذا تأمَّلت أحاديث٥ عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دلَّ عليه القرآن. وبالله التوفيق٦.
(١) «ذلك» من (ب، ط، ج).
(٢) سبق تخريجه في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٩).
(٣) انظر المسألة الخامسة عشرة. ومدارج السالكين (٢/ ١٧٩).
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٦٣) ومسلم (٢٤٤٤) من حديث عائشة.
(٥) كلمة «أحاديث» ساقطة من (ن).
(٦) «وبالله التوفيق» لم يرد في (ن).
فصل
وأما المسألة التاسعة١
وهي قول السائل: ما الأسباب التي يعذَّب بها أصحاب القبور؟
فجوابها من وجهين: مجمل ومفصَّل.
أما المجمل: فإنهم يعذَّبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه. فلا يعذِّب الله روحًا عرفته، وأحبَّته، وامتثلت أمرَه، واجتنبت نهيَهُ؛ ولا بدَنًا٢ كانت فيه أبدًا، فإنّ عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرُ غضب الله وسُخْطِه على عبده، فمَن أغضب الله وأسخطَه في هذه الدار، ثم لم يتب، ومات على ذلك٣، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضبِ الله وسخطهِ عليه؛ فمستقِلٌّ ومستكثِر، ومصدِّقٌ ومكذِّب.
وأما الجواب المفصَّل، فقد أخبرَ رسول الله ﷺ عن الرجلين الذين رآهما يعذَّبان في قبورهما، يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك٤ الآخرُ الاستبراءَ من البول٥. فهذا ترَكَ الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السببَ المُوقِعَ للعداوة بين الناس بلسانه، وإن كان صادقًا. وفي هذا تنبيه على أنَّ المُوقِعَ بينهم العداوةَ بالكذب والزُّور والبهتان أعظمُ عذابًا، كما أنَّ
(١) في (ن): «العاشرة» ولم يرد فيها «فصل وأما».
(٢) (ب، ج): «ولابدمَا» وكذا كان محرّفًا في (ط) أيضًا فأصلحه بعضهم.
(٣) «على ذلك» ساقط من (ن).
(٤) (ب، ن، ج): «ترك».
(٥) تقدم الحديث في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٠).