وقوله ﷺ: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» معناه٢ ــ والله أعلم ــ أنَّه: قد٣ امتُحِن نفاقُه من إيمانه ببارقة السيف على رأسه، فلم يفِرَّ. فلو كان منافقًا لما صبر لبارقة السيف على رأسه٤، فدلَّ على أنَّ إيمانه هو الذي حمله على بذل نفسه لله وتسليمها له، وهاجَ من قلبه حميةَ٥ الغضبِ لله ورسوله وإظهارِ دينه وإعزاز كلمته. فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث٦ برز للقتل، فاستغنى بذلك عن الامتحان في قبره.
قال أبو عبد الله القُرطبيُّ٧: إذا كان الشهيد لا يُفتَن، فالصِّدِّيق أجلُّ خطرًا وأعظم أجرًا٨ أن لا يُفتَن؛ لأنه مقدَّمٌ ذكرُه في التنزيل على الشهداء.
(١) وانظر: تذكرة القرطبي (٤٢٣). وقال المصنف في تهذيب السنن (١/ ٣٦٨): «متروك، منسوب إلى الوضع».
(٢) أصل هذا التفسير للحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ١٢١٨). نقله المصنف من تذكرة القرطبي (٤٢٤) مع التصرف في صياغته.
(٣) (ق): «أعلم وقد».
(٤) «فلم يفر ... رأسه» ساقط من (ب).
(٥) هنا انتهى السقط في (ج).
(٦) (ن): «حين».
(٧) في التذكرة (٤٢٤). ولكنه ليس من كلام القرطبي، وإنما هو تتمة كلام الحكيم الترمذي السابق في شرح الحديث. وقد ختمه القرطبي بعزوه إليه: «قاله الترمذي الحكيم»، ثم قال: «قلت: وإذا كان الشهيد ...» فاقتطع هذه التتمة من كلام الحكيم، وفصل بينها وبينه بالعزو!
(٨) كذا في جميع النسخ. وفي التذكرة بعده: «فهو أحرى أن لا يفتن». وفي نوادر الأصول: «أجلّ خطرًا، فهو أحرى ...». وأخشى أن يكون في نسخة منه: «أحرا» بالألف فقرأه ناسخ بالجيم فزاد قبله: «أعظم».
وقد صحَّ في المُرابط الذي هو دون الشهيد أنه لا يُفتن١، فكيف بمن هو أعلى رتبةً منه ومن الشهيد؟
والأحاديث الصحيحة تردُّ هذا القول، وتُبيِّن أنَّ الصدِّيق يُسأل في قبره كما يُسأل غيرُه. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ رأس الصدِّيقِين، وقد قال للنبي٢ﷺ لما أخبره عن سؤال الملك٣ في القبر، فقال: وأنا على مثل حالتي هذه؟ فقال: «نعم» وذكر الحديث٤.
(١) (ق): «لا يفتتن».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «النبي»، تصحيف.
(٣) (ب، ن): «الملكين».
(٤) أخرجه أبو بكر بن أبي داود في البعث والنشور (٧) عن محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا مفضل بن صالح أبو جميلة، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي شهر، عن عمر بن الخطاب، ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «كيف أنت إذا كنت في أربعة أذرع في ذراعين، ورأيت منكرًا ونكيرًا؟ ...» الحديث. ومن هذا الوجه أخرجه الذهبي في الميزان (٤/ ١٦٧ ــ ١٦٨) وقال: «أبو شهم ــ ويقال: أبو شمر ــ فيه جهالة»، وقال في ترجمة أبي شهر (٤/ ٥٣٧): عن عمر، وعنه ابن أبي خالد بخبر منكر في منكر ونكير. لا يعرف، وقيل: مصحّف أبو شهم، وقيل: أبو شمر، وقيل: أبو سهيل» اهـ. وأخرجه البيهقي في إثبات عذاب القبر (١١٨) والاعتقاد (ص ١٢٧) من طريق علي بن المديني، ثنا مفضل بن صالح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عمر، كيف أنت إذا كنت في أربع من الأرض في ذراعين فرأيت منكرًا ونكيرًا ...» الحديث. قال البيهقي في الاعتقاد: «غريب بهذا الإسناد، تفرّد به مفضّل هذا، وقد رويناه من وجه آخر عن ابن عباس، ومن وجه آخر صحيح عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ مرسلًا ...». ومفضل بن صالح هذا، قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٢). وأما رواية عطاء المرسلة فأخرجها الحارث بن أبي أسامة (٢٨١ ــ بغية الباحث) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١١٦) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب (الحديث). قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ٤٩٢): «مرسل ورجاله ثقات». (قالمي).