وخالف١ في ذلك آخرون، منهم عبدُ الحق الإشبيليُّ والقرطبيُّ٢، وقالوا٣: السؤال لهذه الأمة ولغيرها٤.
وتوقَّف في ذلك آخرون، منهم أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد٥ بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها»٦. ومنهم٧ من يرويه: «تُسأل»٨. وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خُصَّت بذلك، فهذا٩ أمر لا يُقطَع عليه١٠.
وقد احتجَّ مَن خصَّه بهذه الأمة بقوله ﷺ: «إنَّ هذه الأمة تُبتلى في
(١) (ب، ط، ن، ج): «وخالفه».
(٢) «منهم ... القرطبي» ساقط من (ب، ج). و«القرطبي» فقط ساقط من (ط).
(٣) (أ، غ): «وقال».
(٤) (ب، ط، ن، ج): «وغيرها». وانظر قول عبد الحق في كتاب العاقبة (٢٤٦). وقد صوَّبه القرطبي في التذكرة (٤١٥).
(٥) (ب، ط، ج): «يزيد». وكان في الأصل أيضًا هكذا ثم أصلح. وقد سبق الحديث في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٠).
(٦) (ب، ط، ج): «قبورهم».
(٧) الواو ساقطة (ب، ط، ن، ج).
(٨) تحرف في (ب، ج) إلى «قال»، ثم زاد قبله في (ط) «يسأل». وفي (ن): «ولا يسأل»، خطأ.
قبورها»، وبقوله: «أوحي إليَّ أنَّكم تُفتَنون في قبوركم»١. وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة. قالوا: ويَدلُّ عليه قول الملَكين له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول المؤمن: أشهد أنه عبد الله ورسوله٢. فهذا خاصٌّ بالنبي ﷺ. وقوله في الحديث الآخر: «إنّكم بي تُمتَحنون، وعنّي تُسألون»٣.
وقال الآخرون: لا يدلُّ هذا على اختصاص السؤال بهذه الأمة دون سائر الأمم، فإنّ قوله: «إنّ٤ هذه الأمة» إما أن يراد به أمّة الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾[الأنعام: ٣٨] وكلُّ جنس من أجناس الحيوان يُسمَّى أمّةً، وفي الحديث: «لولا أنّ الكلاب أمةٌ من الأمم لأمَرْتُ بقتلها٥»٦. وفيه أيضًا حديث النبي الذي
(١) أخرجه البخاري (٨٦) ومسلم (٥٠٥) من حديث أسماء.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) قطعة من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد (٢٥٠٨٩)، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (٣٧، ٣٨) من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تُسألون». وكذا رواه إسحاق بن راهويه (١١٧٠، مسند عائشة) بلفظ: «وأما فتنة القبر فإنهم يسألون عني». وصحَّح إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٥١٨٤). (قالمي)
(٤) ساقطة من (ب، ط، ج).
(٥) (أ، غ): «بقتلهم».
(٦) أخرجه أبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥)، وأحمد (٦٧٨٨)، وابن حبان (٥٦٥٧) من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل ﵁. وإسناده صحيح. والحسن صرَّح بالتحديث عند ابن حبان (٥٦٥٦) من وجه آخر. (قالمي)