وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمَع؟ فقال: إنَّ الأرض التي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين١ حتى يكون البعث٢، وقالوا: هي الأرض التي يُورِثها الله المؤمنين في الدنيا.
وقال كعب: أرواح المؤمنين في علِّيين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجِّينٍ في الأرض السابعة تحت خَدّ إبليس٣.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر بَرَهُوتَ٤.
وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين٥ في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفار في سجِّين٦. وفي لفظ عنه: نَسَمةُ المؤمن
(١) زاد في (ط): «في الدنيا».
(٢) قال السيوطي في شرح الصدور (٣٣٠): «أخرجه ابن منده. وهذا غريب جدًّا. وتفسير الآية بذلك أغرب». وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٤٣٧). وانظر: الأهوال (١١٤). وسيأتي الكلام على الآية.
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٢٣) والطبري في التفسير (٢٤/ ١٩٤، ١٩٥) وسيأتي الأثر كاملًا عند مناقشة القائلين بأن أرواح المؤمنين عند الله تعالى ولم يزيدوا على ذلك.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤١، ٥٤٢) عن علي بن أبي طالب.
(٥) (ط): «إن أرواح المؤمنين». وقد سقط من (ب، ج): «أرواح ... من الأرض».
(٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٢٩) وابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٣).
تذهب في الأرض حيث شاءت١.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم٢: مستقرُّها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
قال٣: والذي نقول به٤ في مستقَرِّ الأرواح هو ما قاله الله ﷿ ونبيُّه ﷺ، لا نتعداه. فهو البرهان الواضحُ، وهو أنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ٥ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾[الأعراف: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾[الأعراف: ١١]، فصحَّ أنَّ الله تعالى خلق الأرواح جملةً. وكذلك أخبر ﷺ: «أنّ الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»٦. وأخذ الله عهدها وشهادتها له٧ بالربوبية، وهي
(١) صفة الصفوة (١/ ٥٥٥).
(٢) (ن): «أبو محمد ابن حزم».
(٣) في الفِصَل (٢/ ٣٢١ ــ ٣٢٢).
(٤) (ن): «نعوِّل عليه، ونقول به».
(٥) كذا في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو من السبعة. ولم يثبت ناسخ (ن) الآية كاملة.
(٦) أخرجه البخاري من حديث عائشة (٣٣٣٦)، ومسلم من حديث أبي هريرة (٢٦٣٨).
(٧) «له» ساقط من (ن). وفي (ط): «وأخذ شهادتها له». وفي (ب، ج): «وأخذ الله شهادتها له».