فأمَّا١ من قال: هي في الجنة، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾[الواقعة: ٨٨، ٨٩].
قال: وهذا ذكره سبحانه عقيبَ ذكر٢ خروجها من البدن بالموت، وقسَّم الأرواح إلى٣ ثلاثة أقسام: مقرَّبين، وأخبر أنّهم٤ في جنّة نعيم٥؛ وأصحاب يمين٦، وحكم لها بالسلام٧، وهو يتضمَّن سلامتها من العذاب. ومكذِّبةٍ ضالَّةٍ، وأخبر أنَّ لها نُزُلًا من حميم وتصليةَ جحيم.
قالوا: وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعًا. وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة. فذكر٨ حالها بعد الموت، وبعد البعث.
واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وقد قال غيرُ واحد من الصحابة والتابعين: إنَّ هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا، يبشِّرها
(١) (ط): «وأما».
(٢) ساقط من (ق).
(٣) (ق): «على».
(٤) كذا في الأصل و(غ). وفي غيرهما: «أنّها».
(٥) ما عدا (أ، ن، غ): «النعيم».
(٦) (ط): «اليمين».
(٧) (ن): «السلامة».
(٨) ما عدا (أ، ق، غ): «وذكر»، تصحيف.
الملَك بذلك. ولا ينافي ذلك قولَ من قال: إن هذا يقال لها١ في الآخرة، فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث٢.
وهذه من البشرى التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾[فصلت: ٣٠]٣. وهذا التنزُّل٤ يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت.
وقد تقدَّم في حديث البراء بن عازب٥ أنَّ الملَك يقول لها عند قبضها: أبشري برَوْح ورَيحان. وهذا من ريحان الجنّة.
واحتجُّوا بما رواه مالك في الموطأ٦، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أنّه٧ أخبره أنَّ أباه كعب بن مالك كان يحدِّث أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة حتى يَرجِعه الله إلى جسده٨ يوم يبعثه».
(١) «عند خروجها ... لها» ساقط من (ن).
(٢) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٧٨ ــ ١٧٩).
(٣) اختصر ناسخ (ن) الآية.
(٤) (ط): «النزل». (ن): «التنزيل». وكلاهما تصحيف.
(٥) بل في حديث أبي هريرة. وقد سبق في المسألة السادسة (ص ١٣٩).