يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعدَه من الجنة، ويُحلَّى حُلَّة الإيمان، ويزوَّجُ من الحور العين، ويجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضعُ على رأسه تاجُ الوَقار، الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين١، ويشفَّع في سبعين إنسانًا٢ من أقاربه»٣. فلما كان هذا يختصُّ٤ بالشهيد قال: «إنَّ للشهيد»، ولم يقل: إنّ٥ للمؤمن.
وكذلك قولُه في حديث قيسٍ الجُذاميِّ: «يعطَى الشهيدُ ستَّ خصال»٦. وكذلك سائر الأحاديث والنصوص التي عُلِّق فيها الجزاءُ بالشهادة. وأما ما عُلِّق فيه الجزاءُ بالإيمان، فإنَّه يتناول كلَّ مؤمن، شهيدًا كان أو غير شهيد.
وأما النصوصُ والآثار٧ التي ذُكرت٨ في رزق الشهداء وكَوْنِ
(١) هذه الخصلة ساقطة من (ن).
(٢) لم يرد «إنسانًا» في (أ، غ).
(٣) تقدم تخريجه في المسألة العاشرة (ص ٢٣٣).
(٤) (ط): «هذه تختص».
(٥) ساقطة من (ط).
(٦) أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٨٣)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٠٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٢، ٤٢٥٣)، وفي إثبات عذاب القبر (١٦١) من طريق عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذاميّ. وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي فيه ضعف من قِبل حفظه، وبقية رجاله ثقات. (قالمي)
(٧) (ق): «فالآثار».
(٨) ما عدا (ن): «ذكر».
أرواحهم في الجنّة، فكلُّها حقٌّ، وهي لا تدلُّ على انتفاءِ دخول أرواح المؤمنين الجنَّة، ولاسيَّما الصدِّيقين الذين هم أفضلُ من الشهداء بلا نزاع١ بين الناس. فيقال لهؤلاء: ما تقولون في أرواح الصدِّيقين، هل هي في الجنة أم لا؟ فإن قالوا: إنَّها في الجنة ــ ولا يسوغ لهم غير هذا القول ــ قيل: فثبت أنَّ هذه النصوص لا تدلُّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك.
وإن قالوا: ليست في الجنة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواحُ سادات الصحابة كأبي بكر الصدِّيق٢ وأُبَيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان وأشباههم ليست في الجنة؛ وأرواحُ شهداء زماننا في الجنة. وهذا معلومُ البُطلانِ ضرورةً.
فإن قيل: فإذا كان هذا حكم٣ لا يختصُّ بالشهداء، فما الموجِبُ لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟
قيل: تخصيصهم بالذكر في هذه النصوص دلَّ على٤ التنبيه على فضل الشهادة وعلوِّ درجتها، وأنَّ هذا مضمون لأهلها ولا بدَّ، وأنَّ لهم منها أوفرَ نصيب. فنصيبُهم٥ من هذا النعيم في البرزخ أكملُ من نصيب غيرهم
(١) (ب، ط): «فلا نزاع»، تصحيف.
(٢) (ق): «كأبي بكر وعمر». وانظر ما يأتي في (ص ٣٣٢).
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي (ج): «حكمًا»، ولكن الظاهر أنه إصلاح.
(٤) «قيل ... دلَّ» مستدرك في طرّة الأصل بخط ناسخه، وفي صلب المتن في (غ). والعبارة ساقطة من غيرهما، إلا أن بعض قراء (ط) غيّر «على» إلى «قلت». وفي متن (ن) في موضعها: «قلنا»، فاستقام الكلام.