من حديث ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر١، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «الشهداء على بارِقِ نهرٍ٢ بباب الجنة، في قبةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشيةً».
وهذا لا ينافي كونَهم في الجنة، فإنَّ ذلك النهرَ من الجنّة، ورزقُهم يخرج عليهم من الجنة، فهم في الجنة، وإن لم يصيروا على مقاعدهم منها. فمجاهدٌ نفى الدخول الكامل من كلِّ وجه، والتعبيرُ يقصُر عن الإحاطة بتمييز هذا من هذا. وأكملُ العبارة وأدلُّها على المراد عبارةُ رسول الله ﷺ، ثم عبارة الصحابة. وكلَّما علوتَ رأيتَ الشفاء والهدى والنور، وكلَّما نزلتَ رأيتَ الحَيْرة والدعاوى والقولَ بلا علم.
(١) كذا في جميع النسخ. وهو عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري كما في الأهوال لابن رجب (٩٦). ولكن الرواية في المسند من طريق ابن إسحاق عن الحارث بن فضيل الأنصاري. ولم أجده من طريق عاصم.
(٢) ضبط في المسند وغيره «بارِقِ نهرٍ» بالإضافة وقال السندي: «لعل المراد به الموضع الذي يبرُق منه النهر الذي بباب الجنة ويظهر». ولكن لفظه في الروض الأنف (٣/ ٣٠٧): «والشهداء بنهر ــ أو على نهر ــ يقال له: بارق، عند باب الجنة ...». وفي تفسير القرطبي (٥/ ٤١٤): «أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له: بارق ...». وهذا يقتضي أن يضبط هكذا: «على بارقٍ ــ نهرٍ بباب الجنة ــ في قبة ...» وانظر: تاج العروس (برق).
قال أبو عبد الله بن منده١: وروى موسى بن عبيدة٢، عن عبد الله بن يزيد٣، عن أم كبشة بنت المعرور٤ قالت: دخل علينا النبيُّ ﷺ فسألناه عن هذه الأرواح. فوصفها صِفةً أبكَى٥ أهلَ البيت، فقال: «إن أرواح المؤمنين [٦٤ أ] في حواصل طيرٍ خُضْرٍ ترعى في الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتشرب من مائها، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، تقول: ربَّنا أَلحِق بنا إخواننا وآتِنا ما وعدَتنا. وإنَّ أرواح الكفار في حواصل طيرٍ سُودٍ تأكل من النار، وتشرب من النار، وتأوي إلى حُجَر٦ في النار، يقولون: ربَّنا لا تُلحِقْ بنا إخواننا، ولا تُؤتِنا ما وعدتنا».
وقال الطبراني٧: حدثنا أبو زُرعة الدمشقيُّ، ثنا عبد الله بن صالح،
(١) وعزاه إليه ابن رجب في الأهوال (١٠٤) والسيوطي في شرح الصدور (٣١٠) أيضًا.
(٢) (أ، ق، غ): «عبدة». (ط): «عبيد». وقد نصّ ابن رجب على أنه موسى بن عبيدة الرَّبَذي. قال: وهو شيخ صالح، شغلته العبادة عن حفظ الحديث، فكثرت المناكير في حديثه. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٥٦).
(٣) (ن): «بريدة»، تصحيف.
(٤) كذا في جميع النسخ، وشرح الصدور، وإتحاف السادة المتقين (١٠/ ٣٨٦). ولم أجد لها ترجمة. والظاهر أنها أم مبشر بنت البراء بن معرور. انظر: الإصابة (٨/ ٣٠٠).
(٥) (ب، ط): «وصفًا أسكن»، ولعل «وصفًا» من إصلاح النسّاخ إذ رأوا أن «صفة» مؤنث، والفعل بعدها مذكر. وخفي عليهم أنها مصدر. و«أسكن» تحريف. وفي شرح الصدور: «صفةً لكنه أبكى».
(٦) لم ينقط في الأصل. وفي غيرها جميعًا بالحاء قبل الجيم.