وقال عكرمة ومجاهد: إذا نام [٦٦ ب] الإنسانُ فإنَّ له سببًا تجري فيه الروح، وأصلُه١ في الجسد، فتبلغ حيث شاء الله. فما دام٢ ذاهبًا فالإنسانُ نائمٌ، فإذا رجعَ٣ إلى البدن انتبه الإنسان. وكان بمنزلة شعاع الشمس، هو ساقطٌ بالأرض، وأصلُه مُتَّصِلٌ بالشمس٤.
وقد ذكر أبو عبد الله بن منده عن بعض أهل العلم٥ أنه٦ قال: إنَّ الروحَ٧ تمتدُّ من منخر الإنسان، ومركبُه وأصلُه٨ في بدنه، فلو خرج الروحُ بالكلّية لمات؛ كما أنّ السِّراجَ لو فُرِّق بينه وبين الفتيلة لطفئتْ. ألا ترى أنَّ٩ مركبَ النار في الفتيلة، وضَوْؤها وشعاعها يملأ البيت؟ فكذلك الروحُ تمتدُّ من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتجول في البلدان، وتلتقي مع أرواح الموتى، فإذا أراه١٠ الملَك الموكَّلُ بأرواح
(١) (ب، ط، ن، ج): «داخله»، تصحيف.
(٢) (أ، ق، غ): «ما دام». والمثبت من غيرها ومجموع الفتاوى، وشرح الصدور (٣٥٧).
(٣) (ب، ط): «راجع».
(٤) قول عكرمة ومجاهد هذا نقله شيخ الإسلام في شرح حديث النزول، ولعل مصدره كتاب النفس والروح لابن منده. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٧).
(٥) هو علي بن يزيد السمرقندي. قال ابن منده: وكان من أهل العلم والأدب، وله بصر بالطب والتعبير. مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٧).
(٦) «أنه» ساقطة من (ب، ط، ج).
(٧) (ب): «قال الأرواح».
(٨) (ب، ن، ج): «داخله»، تحريف.
(٩) «أن» ساقطة من (ط).
(١٠) (ن، ق): «رآه».
العباد ما أحبَّ أن يُريَه، وكان المرأ١ في اليقظة عاقلًا ذكيًّا صَدوقًا لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل= رجع إليه روحُه، فأدَّى إلى قلبه الصِّدقَ مما أراه الله ﷿ على حسب خلقه. وإن كان خفيفًا نَزقًا يُحبُّ الباطل والنظرَ إليه، فإذا نام وأراه الله أمرًا من خيرٍ أو شرٍّ= رجعت روحُه إليه، فحيثما رأى شيئًا من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفتْ روحُه عليه، كما تقف في يقظته، فكذلك يؤدي٢ إلى قلبه، فلا يعقل ما رأى؛ لأنه خَلَطَ الحقَّ بالباطل، فلا يمكن معبِّرًا٣ أن يعبِّر له، وقد خلط الحق بالباطل٤.
وهذا من أحسن الكلام، وهو دليل على معرفة قائله٥ وبصيرته بالأرواح وأحكامها. وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له، ثم يمرُّ بباطل ولهو من غناءٍ أو شبهة٦ أو زور أو غيره، فيصغي إليه، ويفتحُ له قلبه حتى يتأدَّى٧ إليه، فيتخبَّط عليه ذلك الذي سمعه٨ مع العلم والحكمة، ويلتبس٩ عليه الحقُّ بالباطل.
(١) (ق): «الرائي».
(٢) (أ، ق، ن): «لا يؤدي». والمثبت من غيرها ومجموع الفتاوى.
(٣) ما عدا (ج): «معبِّرٌ»، وهو خطأ.
(٤) «فلا يمكن ... بالباطل» ساقط من (ب). وانظر النصَّ في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥٧).
(٥) في (ط، ن) غيّر بعضهم إلى «قابليته»!
(٦) في (ب، ج): «شبه»، وفي (ط) بالمهملة وتشديد الباء.