وأما سِدرة المنتهى فإنها سِدرة على رؤوس حَمَلة العرش، ينتهي إليها علمُ الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علمٌ، فلذلك سُمِّيتْ سدرة المنتهى١.
قال ابن منده: ورواه وهب بن جرير، عن أبيه، ورواه يعقوب القُمِّي عن شِمْر٢. ورواه خالد بن عبد الله، عن العوَّام بن حَوشَب، عن القاسم بن عوف، عن الربيع بن خُثَيم، قال: كنَّا جلوسًا عند كعب، فذكره [٦٨ أ].
وذكر يعلى بن عبيد، عن الأجلَح، عن الضحَّاك قال: إذا قُبِض روحُ العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقرَّبون إلى السماء الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، حتى يُنتهى به إلى سدرة المنتهى. قلت للضحّاك: لِمَ سُمِّيت سدرة المنتهى؟ قال: لأنه ينتهي إليها كلُّ شيء من أمر الله ﷿ لا يعدُوها. فيقول: ربِّي٣ عبدك فلان، وهو أعلم به منهم٤، فيبعث الله إليه بصكٍّ مختوم بأمنه من العذاب، وذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ ــ ٢١]٥.
وهذا القولُ لا ينافي قولَ من قال: هم في الجنة، فإنَّ الجنّة عند سدرة
(١) هذا الجزء أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٣).
(٢) (ق): «شمس»، تحريف.
(٣) (ب، ج): «ربِّ». (ط): «فيقولون: ربِّ».
(٤) «من أمر الله ... منهم» ساقط من (ن).
(٥) في (ن) اكتفي بإثبات الآية الأولى. والأثر أخرجه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٠٩).
المنتهى، والجنةُ عند الله. وكأنَّ قائلَه رأى أنَّ هذه العبارة أسلمُ وأوفق، وقد أخبر الله سبحانه أنَّ أرواح الشهداء عنده، وأخبر النبي ﷺ أنها تسرح في الجنة حيث شاءت.
فصل
وأما من قال١: إنَّ أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار بحضرموت ببَرَهُوت٢؛ فقال أبو محمد بن حزم: هذا من قول الرافضة٣. وليس كما قال، بل قد قاله جماعةٌ من أهل السنّة.
قال أبو عبد الله بن منده: ورُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنَّ أرواح المؤمنين بالجابية، ثم قال: أنا محمد٤ بن محمد بن يونس، حدثنا أحمد بن عصام، ثنا أبو داود سليمان بن داود، ثنا همّام، حدثني قتادة، حدثني رجلٌ، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين تجتمع بالجابية، وإن أرواحَ الكُفَّار تجتمع في سَبَخة٥ بحضرموت يقال لها: بَرَهُوت٦.
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «قول من قال».
(٢) (ن): «بحضرموت بئر ببرهوت».
(٣) الفصل في الملل والنحل (٢/ ٣٢٠).
(٤) (ق): «قال أبو محمد»، خطأ.
(٥) (ط): «بسبخة». وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٣٣٤) من طريق همام. ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن ابن المسيب من قوله. أخرجه ابن عساكر من طريق ابن أبي الدنيا. وانظر: صحيح ابن حبان (٣٠١٣).