وتقدَّم١ حديث البراء بن عازب: «أنها تصعد من سماء إلى سماء، ويشيِّعها مِن كلِّ سماء مقرّبوها حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة». وفي لفظ: «إلى السماء التي فيها الله ﷿».
ولكن هذا لا يدلُّ على استقرارها هناك دائمًا، بل يُصعدُ بها إلى هناك للعرض على ربِّها ﷿، فيقضي فيها أمره، ويَكتب كتابه: من أهل علِّيين، أو من أهل سجِّين. ثم تعود إلى القبر للمسألة، ثم ترجع إلى مقرِّها الذي أودِعَتْ فيه. فأرواحُ المؤمنين في علِّيين بحسب منازلهم، وأرواحُ الكفار في سجِّين بحسب منازلهم.
فصل
وأما قول من قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين تجتمع ببئر زمزم، فلا دليل على هذا القول من كتابٍ، ولا سنَّةٍ يجب٢ التسليم لها، ولا قولِ صاحبٍ يُوثق به. وليس بصحيح، فإنَّ٣ تلك البئر لا تسَعُ أرواحَ المؤمنين جميعهم. وهو مخالفٌ لما ثبتت به السُّنَّة الصريحة من أنَّ نسَمةَ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة.
وبالجملة فهذا من أبطل الأقوال وأفسَدِها. وهو أفسدُ من قول من قال:
(١) في أول المسألة السادسة.
(٢) (أ، ق، غ): «ولا سنة ولا يجب»، وهذا خطأ.
(٣) (ب، ط): «بأن»، تصحيف.
إنها بالجابية، فإنَّ١ ذلك مكانٌ٢ متَّسِعٌ فضيٌّ٣ بخلاف البئر الضيقة٤.
فصل
وأما قول من قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، فهذا مرويٌّ عن سلمان الفارسي٥. والبرزخ هو: الحاجزُ بين شيئين، وكأنَّ سلمان أرادَ بها: في أرضٍ٦ بين الدُّنيا [٦٩ ب] والآخرة، مُرسَلة هناك تذهب حيث شاءت.
وهذا قولٌ قويٌّ، فإنها قد فارقت الدنيا، ولم تلِج الآخرة، بل هي في برزخ بينهما. فأرواح المؤمنين في برزخٍ واسعٍ فيه الرَّوح والريحان والنعيم، وأرواحُ الكفار في برزخ ضيِّق فيه الغم والعذاب. قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون: ١٠٠]، فالبرزخ هنا٧: ما بين الدنيا والآخرة، وأصله: الحاجز بين
الشيئين.
(١) (ب، ط، ج): «وإن»، تصحيف.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) كذا في جميع النسخ إلا (ط). من فضا المكانُ يفضو فَضاءً وفُضُوًّا: اتسع. ولم تثبت في المعجمات. وفي (ط): «قصي» بالقاف، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «فضاء» ولعله من إصلاح الناشرين.
(٤) هذا الفصل برمَّته ساقط من (ن).
(٥) سبق تخريجه في أول المسألة.
(٦) (ب، ن): «أراد أنها في الأرض». (ط): «... بالأرض» واقترح بعض قرائها أن يكون: «أراد بالأرض أنها». وفي (ج): «أنها بين الدنيا». والمثبت من الأصل وغيره صحيح.