وأما قول أبي محمد بن حزم: إنَّ مستقرَّها حيث كانت قبل خلق أجسادها، فهذا بناء منه على مذهبه الذي اختاره، وهو أنَّ الأرواح مخلوقة قبل الأجساد.
وهذا فيه قولان للناس. وجمهورُهم على أنَّ الأرواح خُلِقت بعد الأجساد.
والذين قالوا: إنها خُلقت قبل الأجساد١، ليس معهم على ذلك دليل من كتاب ولا سنّة٢ ولا إجماع، إلا ما فهموه من نصوص لا تدلُّ على ذلك، أو أحاديث لا تصحُّ؛ كما احتج به أبو محمد بن حزم من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ الآية٣[الأعراف: ١٧٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾[الأعراف: ١١].
قال٤: فصحَّ أنَّ الله خلق الأرواح جملةً، وهي٥ الأنفس. وكذلك
(١) «وهذا فيه ... الأجساد» ساقط من (ب، ج) ومستدرك في حاشية (ن).
(٢) (ط): «وسنة».
(٣) كذا وردت الآية في (ق). وفي غيرها: «ذرّياتهم». وزاد في (ب، ط، ج): «أن يقولوا». وهذه قراءة أبي عمرو بالجمع في «الذريات»، والياء في «يقولوا». انظر: الإقناع لابن الباذش (٦٥١).
(٤) ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٥) (ن): «هنّ».
أخبر ﵇ أنَّ «الأرواح جنود مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»١.
قال: وأخذ ﷿ عهدها وشهادتَها، وهي مخلوقة مصوَّرة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يُدخِلها في الأجساد، والأجسادُ يومئذ تراب.
وقال: لأنَّ الله تعالى [ذكر]٢ ذلك بلفظة «ثمَّ» التي توجب التعقيب والمهلة. ثم أقرَّها سبحانه حيث شاء، وهو البرزخ الذي ترجع إليه٣ عند الموت٤.
وسنذكر ما في هذا الاستدلال عند٥ جواب سؤال السائل عن الأرواح: أهي٦ مخلوقةٌ مع الأبدان أم قبلها؟ إذ الغرضُ هنا الكلام على مستقَرِّ الأرواح بعد الموت.
وقوله: «إنها تستقرُّ في البرزخ الذي كانت فيه قبل خلق الأجساد» مبنيٌّ
(١) سبق تخريجه في (ص ٢٧٧).
(٢) في (ب، ج): «حلف». وفي النسخ الأخرى جميعًا ــ خطيةً كانت أو مطبوعة ــ: «خلق». ولا معنى للخلق بلفظة «ثم». والظاهر أنه تحريف ما أثبتناه من كتاب ابن حزم. ولما أشكل على ناسخ (ط) غيَّر «بلفظة» إلى «بلطفه». وأسقط ناسخا (ب، ج): «ذلك بلفظة».