قلت: محمد بن نصر المروزي١ ذكر في كتاب «الردِّ على ابن قتيبة» في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾٢[الأعراف: ١٧٢] الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صلبه، ثم أخذِ الميثاق عليهم وردِّهم في صلبه، وأنّه أخرجهم مثلَ الذرِّ، وأنَّه سبحانه قَسَمهم إذ ذاك إلى شقيٍّ وسعيد، وكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم، وما يصيبُهم من خير وشر. ثم قال٣: «قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست ربكم؟ أن لا يقولوا٤: إنا كنَّا عن هذا غافلين أو يقولوا: إنَّما أشرك آباؤنا من قبل».
هذا نصُّ كلامه. وهو ــ كما ترى ــ لا يدلُّ على أنَّ مستقَرَّ الأرواح ما ذكر أبو محمد حيث منقطعُ العناصر٥ بوجهٍ من الوجوه، بل٦ ولا يدلُّ على أن الأرواح كائنةٌ قبل خلق الأجساد. بل إنما يدل على أنه سبحانه
(١) «المروزي» ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٢) هنا أيضًا في (ق): «ذريتهم» على قراءة الكوفيين وابن كثير. وفي غيرها: «ذرياتهم» وهي قراءة الباقين من السبعة.
(٣) زاد بعده في (ن): «محمد بن نصر». وقد سقط «قال» من (ب، ج).
(٤) كذا في الأصل، (ب، ق، ج). ولكن ضرب بعضهم في الأصل على «لا»، وحذفها ناسخ (غ)، وكتب: «أن يقولوا». وكذا في (ط). وزاد في (ن): «يوم القيامة»، وقد توهم هؤلاء أن المقصود نصّ الآية.
(٥) (ن): «ينقطع العناصر».
(٦) ساقطة من (ن).
استخرجها١ حينئذ، فخاطبها، ثم ردَّها إلى صلب آدم.
وهذا القول وإن كان قد قاله جماعة من السلف والخلف، فالقول الصحيح غيرُه، كما ستقف عليه إن شاء الله٢؛ إذ ليس الغرض في جواب هذه المسألة الكلامُ في الأرواح: هل هي مخلوقة قبل الأجساد أم لا؟ حتى لو سلّم لأبي محمد هذا كلُّه لم يكن فيه دليل على أنَّ مستقرَّها حيث منقطعُ العناصر٣، ولا أنَّ ذلك الموضع كان مستقرَّها أوّلًا.
فصل
وأما قول من قال: إنَّ٤ مستقرَّها العدمُ المحضُ، فهذا قول من قال: إنها عرَض من أعراض البدن، هو الحياة. وهذا قول ابن الباقِلَّاني ومَن تبعه٥. وكذلك قال أبو الهذيل٦ العلَّاف: النفسُ عرَضٌ من الأعراض، ولم يعيِّنه بأنه الحياةُ، كما عيَّنه ابن الباقلاني. ثم قال٧: هي عرَض كسائر أعراض الجسم. وهؤلاء عندهم أن الجسم إذا مات عَدِمت روحُه كما تعدم سائر أعراضه المشروطة بالحياة.
(١) ما عدا (أ، غ): «أخرجها».
(٢) في المسألة الثامنة عشرة.
(٣) (ب، ق): «تنقطع العناصر».
(٤) لم ترد «إن» فيما عدا الأصل و(غ).
(٥) نقل المؤلف هذا القول وغيرَه من الفصل لابن حزم (٣/ ٢١٤، ٢١٧)، وستأتي في المسألة التاسعة عشرة في حقيقة النفس.