الروح

وهذا قولٌ في غاية الفساد من وجوه كثيرة. وأيُّ قول أفسدُ مِن قول مَن يجعل روح الإنسان عَرَضًا١ من الأعراض تتبدَّل كلَّ ساعةٍ ألوفًا من المرَّات، فإذا فارقه هذا العرضُ لم يكن بعد المفارقة روحٌ تنعَّمُ ولا تعذَّب، ولا تصعد ولا تنزل، ولا تُمسَك ولا تُرسَل؟

فهذا قولٌ٢ مخالف للعقل ونصوص الكتاب والسنَّة والفطرة. وهو قول مَنْ لم يعرف نفسَه.

وسيأتي ذكرُ الوجوه الدالَّة على بُطلان هذا القول في موضعه من هذا الجواب إن شاء الله٣. وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين٤ ولا أئمة الإسلام.

فصل

وأمَّا قولُ من قال: إن مستقرَّها بعد الموت أبدانٌ أُخَرُ غيرُ هذه الأبدان٥، فهذا القول فيه حقٌّ وباطل.

فأما الحقُّ، فما أخبر به٦ الصادق المصدوقُ عن أرواح الشهداء، أنَّها

  1. (١) (ب، ط): «عرضٌ»، خطأ.
  2. (٢) (ق): «فهذه أقوال»، خطأ.
  3. (٣) انظر المسألة التاسعة عشرة.
  4. (٤) (ب، ط، ن): «ولا التابعين». (ق): «ولا من الصحابة والتابعين».
  5. (٥) ساقط من (ن).
  6. (٦) لم يرد «به» في (أ، ق). وفي (غ) بعد «المصدوق».
337

في حواصلِ طيرٍ خُضْرٍ تأوي إلى قناديل معلَّقةٍ بالعرش، هي لها كالأوكار للطائر. وقد صرَّح بذلك في قوله: «جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خُضر».

وأما قوله ﷺ: «نسَمةُ المؤمن طائر يعلُق في شجر الجنة»، يحتمل١ أن يكون هذا الطائرُ مَرْكبًا للروح كالبدن لها، ويكون ذلك لبعض المؤمنين والشهداء. ويَحتمل أن يكون الروحُ في صورة طائر. [٧٢ أ] وهذا اختيار أبي محمد بن حزم وأبي عمر بن عبد البر٢.

وقد تقدَّم كلام أبي عمر، والكلام عليه٣.

وأما ابن حزم، فإنه قال: معنى قوله ﷺ: «نسمة المؤمن طائر يعلُق» هو على ظاهره، لا على ظنِّ أهل الجهل. وإنما أخبر ﷺ أنَّ نسمة المؤمن طائر٤ يعلُق، بمعنى٥ أنَّها تطير في الجنَّة، لا أنَّها تُمْسَخ٦ في صورة الطير.

قال: فإن قيل: إنَّ النسمة مؤنثة٧، قلنا: قد صحَّ عن عربي فصيح أنَّه

  1. (١) زاد في (ن) قبله: «فهذا».
  2. (٢) كذا ورد في جميع النسخ. والظاهر أن هذا اختيار أبي عمر. أما ابن حزم فذهب إلى أن النسمة هي التي ستطير في الجنة، كما نقل عنه المصنف.
  3. (٣) انظر (ص ٢٩٣) فما بعدها.
  4. (٤) «هو على ... طائر» ساقط من (ن). وكذا «يعلق» بعد «طائر» في جميع النسخ، ولم يرد في كتاب الفصل، وهو الأفضل في هذا السياق؛ لأن ابن حزم أراد تفسير كلمة «طائر» لا إعادة الحديث.
  5. (٥) (ب، ط، ن، ج): «يعني». والمثبت من غيرها موافق لما في مصدر النقل.
  6. (٦) الفصَل: «تنسخ».
  7. (٧) يعني: مقتضى تأنيثها أن يقال: طائرة، لا طائر كما في الحديث.
338

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي