الروح

قول من قال: كطير، أو صُوَر طير١، لمطابقته لحديثنا المذكور٢. يعني حديث كعب بن مالك في نسمة المؤمن.

فالجواب: أنَّ هذا الحديث قد رُوي بهذين اللفظين. والذي رواه مسلم في الصحيح من حديث الأعمش، عن مسروق: «أرواحهم في جوف طير خُضْر»٣ قد٤ رواه ابن عبَّاس وكعب بن مالك، فلم يختلف حديثهما أنّها في أجواف طير خُضر.

فأما٥ حديث ابن عباس، فقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير٦، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم ــ يعني يومَ أحد ــ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ تَرِد أنهارَ الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مذلَّلة٧ في ظلِّ العرش. فلما وجدوا طِيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلِّغُ إخواننا عنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنة نُرزَق، لئلا يَنْكُلوا عن الحرب، ولا يزهدوا في الجهاد، فقال الله تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ

  1. (١) (ط، ق، ن): «صورة طير».
  2. (٢) التمهيد (١١/ ٦٤) وقد سبق في (ص ٢٩٣) أيضًا.
  3. (٣) تقدّم في هذه المسألة (ص ٢٩٢).
  4. (٤) (ب، ط، ج): «وقد».
  5. (٥) (أ، ق، غ): «وأما».
  6. (٦) «عن أبي الزبير» ساقط من (أ، ق، غ).
  7. (٧) ما عدا (ن): «مدللة» بالدال، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: مدلاة.
341

الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]»١.

وأما حديث كعب بن مالك، فهو في السنن الأربعة ومسند أحمد. ولفظه للترمذي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أرواح الشهداء في طيرٍ خُضْرٍ تعلُق في ثمر الجنة أو شجر الجنة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح٢.

ولا محذور في هذا، ولا يبطِل قاعدة من قواعد الشرع، ولا يخالف نصًّا من كتاب الله ولا سنَّةً عن رسول الله ﷺ. بل هذا من تمام إكرام الله تعالى للشهداء أن أعاضَهم من أبدانهم التي مَزَّقوها لله أبدانًا٣ خيرًا منها، تكون مَرْكبًا لأرواحهم، ليحصل بها كمال تنعُّمهم٤. فإذا كان يومُ القيامة ردَّ أرواحَهم٥ إلى تلك الأبدان التي كانت [٧٣ أ] فيها في الدنيا.

فإن قيل: فهذا هو القولُ بالتناسخُ وحلولِ الأرواح في أبدانٍ غيرِ أبدانها التي كانت فيها.

قيل: هذا المعنى الذي دلَّت عليه السنَّة الصريحة حقٌّ يجب اعتقاده. ولا يُبطلِه تسميةُ المسمِّي له: تناسخًا، كما أنَّ إثبات ما دلَّ عليه العقل والنقل

  1. (١) سبق تخريجه في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
  2. (٢) الترمذي (١٦٤١). وقد سبق في (ص ١١٢) تخريجه والتنبيه على أن لفظ الترمذي من رواية عمرو بن دينار عن الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري كمالك ومعمر ويونس والأوزاعي فلم يذكروا الشهداء، وإنما ذكروا «نسمة المؤمن أو المسلم». (قالمي).
  3. (٣) (ب، ط، ن، ج): «أبدانًا أُخَر».
  4. (٤) (ق): «تنعيمهم». (ن، غ): «نعيمهم».
  5. (٥) «يحصل ... أرواحهم» ساقط من (ب).
342

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي