ومنهم من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ١ روحُه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحًا سُفْلِيَّة أرضية؛ فإنَّ الأنفس الأرضية لا تُجامع الأنفسَ السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا. والنفسُ التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربِّها ومحبتَه وذكرَه والأنسَ به والتقرُّب إليه، بل هي أرضية سفلية= لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلّا هناك. كما أنَّ النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفةً على محبةِ الله وذكرِه والتقربِ إليه والأنس٢ به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها. فالمرء مع من أحبَّ في البرزخ ويوم القيامة٣. والله تعالى٤ يزوِّج النفوسَ بعضَها ببعض في البرزخ ويوم المعاد، كما تقدَّم٥ في الحديث: «ويجعل روحه ــ يعني المؤمن ــ مع النَّسَم الطيِّب». أي: الأرواحِ الطيِّبةِ المشاكلةِ لروحه. فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وإخوانها٦ وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك.
ومنها أرواحٌ تكون في تنوُّر الزُّناة والزواني، وأرواحٌ في نهر الدم تَسْبح فيه، وتُلقَم الحجارة٧.
(١) ضبط هكذا في (ط، ن). وفي (ب): «يُعَدْ»، تصحيف.
(٢) «بل هي .. والأنس» ساقط من (ن).
(٣) انظر ما سبق في المسألة الثانية.
(٤) (ق): «فالله تعالى».
(٥) بعده في (ب، ط، ن، ج): «من قوله». وقد تقدم الحديث في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٦).
(٦) (ب، ط، ن، ج): «أخدانها».
(٧) كما في الحديث المتقدم في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٧٠).
فليس للأرواح ــ سعيدِها وشقيِّها١ ــ مستقرٌّ واحد. بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض، وأنت إذا تأملتَ السنن والآثار في هذا الباب، وكان لك بها فضلُ اعتناءٍ، عرفتَ صحة٢ ذلك.
ولا تظنَّ أنَّ بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنَّها كلَّها حقٌّ يصدِّق بعضُها بعضًا٣، لكن الشأن في فهمهما ومعرفةِ النفس وأحكامها، وأنَّ لها شأنًا٤ غيرَ شأن البدن، وأنَّها مع كونها في الجنَّة فهي في السماء، وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركةً وانتقالًا وصعودًا وهبوطًا، وأنَّها تنقسم إلى مرسَلة ومحبوسة، وعلويّة وسفليّة. ولها بعد المفارقة صحّة ومرض، ولذّة ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير. فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهناك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق. وما أشبهَ حالَها في هذا البدن بحال البدن٥ في بطن أمه، وحالَها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار!
فلهذه الأنفس أربع دُورٍ٦ كلُّ دار أعظم من التي قبلها:
(١) (ب، ط): «شقيها وسعيدها».
(٢) (أ، ق، غ): «حجة»، ولعلها تصحيف.
(٣) انظر: مختصر الفتاوى المصرية (٢٣٤).
(٤) (ق): «شأن»، وكذا كان في الأصل، فأصلحه بعضهم.
(٥) كذا في جميع النسخ. وفي بعض النسخ المطبوعة: «الولد». ولعله من تصرّف الناشرين.