وفي صحيح مسلم١ أيضًا من حديث جرير٢ بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عمل بها بعده، من غير أن ينقُصَ من أجورهم شيءٌ. ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيئةً كان عليه وزرُها ووزرُ من عَمِل بها من بعده٣، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
وهذا المعنى رُوي عن النبي ﷺ من عدّة وجوهٍ صِحاح وحِسان.
وفي المسند٤
عن حذيفة قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ، فأمسك القوم. ثم إنَّ رجلًا أعطاه، فأعطى القوم. فقال النبي ﷺ: «من سنَّ خيرًا فاستُنَّ به كان له أجرُه ومِن أجورِ من يتبَعه٥ غيرَ منتقصٍ من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ شرًّا فاستُنَّ به كان عليه وزرُه ومن أوزار من يتبَعه غيرَ منتقصٍ من أوزارهم شيئًا».
وقد دلَّ على هذا قولُه ﷺ: «لا تُقْتَلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم
(١) برقم (١٠١٧).
(٢) (أ، غ): «جابر»، ولعله سهو من الناسخ.
(٣) ما عدا (أ، غ): «عمل بها بعده».
(٤) برقم (٢٣٢٨٩)، والبزار (٢٩٦٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٥٤٢)، والحاكم (٢/ ٥١٦) وصحّح إسناده. وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦٧): «رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أبا عبيدة بن حذيفة وقد وثقه ابن حبان». قلت: ووثقه أيضًا العجلي في كتابه الثقات (٢١٩٩) فقال: «كوفي تابعي ثقة». (قالمي).
(٥) كذا في (أ، ق، غ)، والمسند هنا وفيما يأتي. وفي النسخ الأخرى: «تبعه».
الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أولُ من سنَّ القتلَ»١. فإذا كان هذا في العدل٢ والعقاب، ففي الفضل والثواب أولى وأحرى.
فصل
والدليل على انتفاعه بغير ما تسبَّب فيه: القرآنُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وقواعد الشرع.
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ [٧٦ أ] رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾[الحشر: ١٠]، فأثنى الله سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلَهم، فدلَّ٣ على انتفاعهم باستغفار الأحياء.
وقد يمكن أن يقال: إنَّما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سَنُّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه، فلما اتَّبعوهم فيه كانوا كالمتسبِّبين٤ في حصوله لهم. لكن قد دلَّ على انتفاع الميِّت بالدعاء إجماعُ الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة.
وفي «السنن»٥ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلَّيتم على الميت فأخلِصُوا له الدعاء».
(١) من حديث عبد الله بن مسعود. أخرجه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧).
(٢) في (غ) والنسخ المطبوعة: «العذاب» وهو تحريف.
(٣) (ب، ط): «فيدلّ».
(٤) (ق، غ): «كالمستنين». تصحيف. وفي الأصل: «كالمسببين» ولعله مغيّر.
(٥) أخرجه أبو داود (٣١٩٩) وابن ماجه (١٤٩٧) وابن حبان (٣٠٧٧) وإسناده حسن لأجل ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث عند ابن حبان. (قالمي)