الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أولُ من سنَّ القتلَ»١. فإذا كان هذا في العدل٢ والعقاب، ففي الفضل والثواب أولى وأحرى.
فصل
والدليل على انتفاعه بغير ما تسبَّب فيه: القرآنُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وقواعد الشرع.
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ [٧٦ أ] رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾[الحشر: ١٠]، فأثنى الله سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلَهم، فدلَّ٣ على انتفاعهم باستغفار الأحياء.
وقد يمكن أن يقال: إنَّما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سَنُّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه، فلما اتَّبعوهم فيه كانوا كالمتسبِّبين٤ في حصوله لهم. لكن قد دلَّ على انتفاع الميِّت بالدعاء إجماعُ الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة.
وفي «السنن»٥ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلَّيتم على الميت فأخلِصُوا له الدعاء».
(١) من حديث عبد الله بن مسعود. أخرجه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧).
(٢) في (غ) والنسخ المطبوعة: «العذاب» وهو تحريف.
(٣) (ب، ط): «فيدلّ».
(٤) (ق، غ): «كالمستنين». تصحيف. وفي الأصل: «كالمسببين» ولعله مغيّر.
(٥) أخرجه أبو داود (٣١٩٩) وابن ماجه (١٤٩٧) وابن حبان (٣٠٧٧) وإسناده حسن لأجل ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث عند ابن حبان. (قالمي)
وفي «صحيح مسلم»١ من حديث عوف بن مالك قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفِرْ له وارحَمْه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرِمْ نُزُلَه، ووَسِّع٢ مُدْخَله، واغسِلْه بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما نَقَّيْتَ الثوب الأبيض من الدنس. وأبدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه. وأدْخِلْه الجنّة، وأَعِذْه من عذاب القبر ومن عذاب النار».
وفي «السنن»٣ عن واثلة بن الأسقع قال: صلَّى رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: «اللهم إنَّ فلان بن فلان في ذمِّتك وحَبْلِ جوارك٤، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهلُ الوفاء والحقِّ، فاغفِرْ له وارحَمْه، إنَّك أنت الغفور الرحيم».
وهذا كثير في الأحاديث، بل هو المقصود بالصلاة على الميت، وكذلك الدعاء له٥ بعد الدفن.
(١) برقم (٩٦٣).
(٢) (ق، ن، غ): «أوسع».
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١٤٩٩)، والإمام أحمد (١٦٠١٨) وابن حبان (٣٠٧٤) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا مروان بن جناح، حدثني يونس بن ميسرة بن حَلْبَسٍ، عن واثلة ابن الأسْقع فذكره. وإسناده حسن من أجل مروان بن جناح الدمشقي، فإنه لا بأس به، كما في التقريب، والوليد بن مسلم مدلس غير أنه صرَّح بالتحديث. (قالمي)
(٤) تحرَّف فيما عدا (ط، ج) إلى «وحيك وجوارك». (أ، غ): و«حبك وجوارك» (ق) ونحوه.