وأجمع المسلمون على أنَّ قضاء الدَّين يُسقِطه من ذمته، ولو كان من أجنبي، أو من غير تَرِكته. وقد دلَّ عليه حديث أبي قتادة، حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلمَّا قضاهما قال له النبي ﷺ: «الآن بردتْ عليه١ جِلدتُه»٢.
وأجمعوا على أنَّ الحيَّ إذا كان له قِبَل الميِّت٣ حقٌّ من الحقوق، فأحلَّه منه= أنَّه ينفعه، ويبرأُ منه٤، كما يسقط من ذمة الحي. فإذا سقط من ذمّة الحي بالنصِّ والإجماع، مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرضَ به٥، بل ردَّه= فسقوطه من ذمة الميِّت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى. وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفعُ بالهبة والإهداء. ولا فرق٦
(١) «عليه» ساقط من (ط).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١٤٥٣٦)، وأبو داود الطيالسي (١٧٧٨)، والحاكم (٢/ ٥٨) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. وهذا إسناد حسن لحال ابن عقيل. وصحَّح الحاكم إسناده. وأخرجه الإمام أحمد أيضًا (١٤١٥٩)، وأبو داود (٣٣٤٣)، والنسائي (١٩٦١)، وابن حبان (٣٠٦٤) من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، نحوه مختصرًا، وليس فيه قوله: «الآن بردت عليه جلدته». وإسناده صحيح. (قالمي)
(٣) (ق): «على الميت».
(٤) (ن): «وتبرأ ذمّته». وفي الأصل: «وتبرأ من ذمة الحيّ»، فكأن العبارة «منه كما يسقط» ساقطة منها.
(٥) «به» ساقطة من الأصل.
(٦) (ب، ط): «فلا فرق».
بينهما، فإنَّ ثواب [٧٨ أ] العمل حقٌّ للمُهْدي١ الواهب، فإذا جعله للميِّت انتقل إليه. كما أنَّ ما على الميِّت من الحقوق ــ من الدَّين وغيره ــ هو محضُ حقِّ الحيِّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما٢ حقٌّ للحيّ٣، فأيُّ نصٍّ أو قياس أو قاعدةٍ من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع٤ وصول الآخر؟
وهذه النصوص متظاهرةٌ٥ على وصول ثواب الأعمال إلى الميِّت إذا فعلها الحيُّ عنه. وهذا محض القياس، فإنَّ الثواب حقٌّ للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنَع من ذلك، كما لم يُمنْعَ من هبة ماله في حياته له وإبرائه له منه بعد موته.
وقد نبَّه النبي ﷺ بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرَّد تركٍ ونية تقوم٦ بالقلب، لا يطَّلع عليه إلا الله، وليس بعمل الجوارح٧ = على٨
(١) (ق): «المهدي».
(٢) (ق): «وكلاهما».
(٣) «فإذا أبرأه ... للحي» ساقط من (أ، ط).
(٤) (أ، ن، غ): «ومنعَ».
(٥) (ط): «متظافرة».
(٦) (أ، غ): «تقرّب».
(٧) (ب، ط، ن، ج): «للجوارح».
(٨) كذا النص على الصواب في (ج). وفي (أ، ق، ن): «وعلى». والواو زائدة. وفي (غ): «وعلى ذلك». وفي (ب، ط): «دلّ ذلك على». ولعله إصلاح من الناسخين. والسياق: «وقد نبّه النبي ﷺ بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة بطريق الأولى». انظر تلخيص ابن أبي العزّ لكلام ابن القيم في شرح الطحاوية (٤٦١).