بينهما، فإنَّ ثواب [٧٨ أ] العمل حقٌّ للمُهْدي١ الواهب، فإذا جعله للميِّت انتقل إليه. كما أنَّ ما على الميِّت من الحقوق ــ من الدَّين وغيره ــ هو محضُ حقِّ الحيِّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما٢ حقٌّ للحيّ٣، فأيُّ نصٍّ أو قياس أو قاعدةٍ من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع٤ وصول الآخر؟
وهذه النصوص متظاهرةٌ٥ على وصول ثواب الأعمال إلى الميِّت إذا فعلها الحيُّ عنه. وهذا محض القياس، فإنَّ الثواب حقٌّ للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنَع من ذلك، كما لم يُمنْعَ من هبة ماله في حياته له وإبرائه له منه بعد موته.
وقد نبَّه النبي ﷺ بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرَّد تركٍ ونية تقوم٦ بالقلب، لا يطَّلع عليه إلا الله، وليس بعمل الجوارح٧ = على٨
(١) (ق): «المهدي».
(٢) (ق): «وكلاهما».
(٣) «فإذا أبرأه ... للحي» ساقط من (أ، ط).
(٤) (أ، ن، غ): «ومنعَ».
(٥) (ط): «متظافرة».
(٦) (أ، غ): «تقرّب».
(٧) (ب، ط، ن، ج): «للجوارح».
(٨) كذا النص على الصواب في (ج). وفي (أ، ق، ن): «وعلى». والواو زائدة. وفي (غ): «وعلى ذلك». وفي (ب، ط): «دلّ ذلك على». ولعله إصلاح من الناسخين. والسياق: «وقد نبّه النبي ﷺ بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة بطريق الأولى». انظر تلخيص ابن أبي العزّ لكلام ابن القيم في شرح الطحاوية (٤٦١).
وصولِ ثواب القراءة التي هي عملٌ باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأَوْلى.
يُوضِّحه أنَّ الصومَ نيةٌ محضة وكفٌّ للنفس عن المفطِرات، وقد أوصل الله ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عملٌ ونية، بل لا تفتقرُ إلى النية! فوصول ثواب الصوم١ إلى الميِّت، فيه تنبيهٌ على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنية. وقد نبَّهَ الشارعُ بوصول ثواب٢ الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية. ونبَّه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات البدنية٣. وأخبر٤ بوصول ثواب الحجِّ المركَّبِ من المالية والبدنية. فالأنواع٥ الثلاثة ثابتة بالنصِّ والاعتبار، وبالله التوفيق.
قال المانعون من الوصول: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾[النجم: ٣٩]. وقال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[يس: ٥٤]. وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾[البقرة: ٢٨٦].
وقد ثبَتَ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من