فهذا شأنُ الإنسان من حيث ذاتُه ونفسُه. وخروجُه عن هذه الصفات بفضلِ ربِّه، وتوفيقِه له، ومنَّتِه عليه، لا من ذاتِه١؛ فليس له من ذاته إلا هذه الصفات. وما به من نعمةٍ فمن الله وحده [٨٠ ب]، فهو الذي حبَّب إلى عبده الإيمان، وزيَّنَه في قلبه، وكرَّه إليه الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان. وهو الذي ثبَّت أنبياءه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرِف عنهم السوءَ والفحشاء. وكان يُحدى٢ بين يدي النبي٣ﷺ:
والله لولا اللّهُ ما اهتدَيناولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا٤
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[يونس: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾[المدثر: ٥٦]. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ
(١) (ن): «من حيث ذاته».
(٢) (ن): «يحتدي». (ق): «يجري»، تصحيف.
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «رسول الله».
(٤) حدا بهذا الرجز عامر بن الأكوع في غزوة خيبر. أخرجه البخاري (٤١٩٦) ومسلم (١٨٠٢) من حديث سلمة بن الأكوع.
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾١[التكوير: ٢٩]. فهو ربُّ جميع العالم ربوبيَّةً٢ شاملةً لجميع ما في العالم٣ من ذواتٍ وأفعالٍ وأحوال.
وقالت طائفة٤: الآيةُ إخبارٌ عن شرعِ مَنْ قَبلنا، وقد دلَّ شرعُنا على أنَّ٥ له ما سَعى، وما سُعِي له٦. وهذا أيضًا أضعفُ من الأول، أو من جنسه. فإنَّ الله سبحانه أخبر بذلك إخبارَ مقرِّرٍ له محتجٍّ به، لا إخبارَ مُبطِلٍ له. ولهذا قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾[النجم: ٣٦]. فلو كان هذا باطلًا في هذه الشريعة لم يُخبِر به إخبارَ مقرِّر له محتجٍّ به.
وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى٧. وهذا أبطَلُ من القولين الأوَّلَين، فإنَّه قَلْبُ موضوعِ الكلام٨ إلى ضدِّ معناه المفهوم منه. ولا يسوغ مثلُ هذا، ولا تحتمله اللغة. وأما نحو: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾[غافر: ٥٢] فهي على بابها٩، أي: هي نصيبُهم وحظهم.