ثم أورد على نفسه سؤالًا وهو: فإنْ قيل: أليس قضاءُ الديون وتحمُّلُ الكَلِّ حالَ الحياة كقضائه بعد الموت؟ فقد١ استوى ضمان الحياة وضمان الموت٢ في أنَّهما يُزيلان المطالبة عنه. فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة، فاجعلوا ثوابَ الإهداء واصلًا حالَ الحياة وبعد الموت.
وأجاب عنه٣ بأنه لو صحَّ هذا وجب أن تكون الذنوبُ تُكفَّر عن الحيِّ بتوبة غيره عنه، ويندفع عنه مآثمُ٤ الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قلتُ: وهذا لا يلزم، بل طردُ ذلك انتفاعُ الحيِّ بدعاءِ غيره له، واستغفارِه له، وتصدُّقِه عنه، وقضاءِ ديونه. وهذا حقٌّ. وقد أَذِنَ النبيُّ ﷺ في٥ أداء فريضة الحجِّ عن الحيِّ المعضوبِ٦ والعاجز، وهما حيَّان.
وقد أجابَ غيره من الأصحاب بأنَّ حالَ الحياة لا نَثِقُ بسلامة العاقبة، خوفًا أن يرتدَّ المُهدى له، فلا ينتفع بما يُهدَى إليه.
قال ابن عَقيل: وهذا عذر٧ باطل بإهداء هذا٨ الحيِّ فإنه لا يُؤمَن أن
(١) (ب، ط): «فإن».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «ضمان الموت وضمان الحياة».
(٣) «عنه» ساقط من (ب، ط).
(٤) كذا بالمدّ في (أ، ن). وفي (ط): «مأثَم».
(٥) «في» ساقطة من (أ، غ).
(٦) المعضوب: الذي لازمه المرض المزمن، فمنعه الحركة.
(٧) ما عدا (أ، ق، غ): «عندي».
(٨) «هذا» ساقط من (ب، ط، ن). وفيما عدا (أ، ق، غ) بعد «الحي»: «للميت».
يرتدَّ ويموت، فيحبَطَ عملُه كلُّه، ومن جُملته ثوابُ ما أهدى إلى الميِّت.
قلت: هذا لا يلزمهم، ومواردُ النص والإجماع تُبطِله وترُدُّه، فإنَّ النبي ﷺ أَذِن في الحجِّ والصوم عن الميِّت. وأجمع الناس على براءة ذمَّته من الدَّين، إذا قضاه عنه الحيُّ، مع وجود١ ما ذكر من الاحتمال.
والجوابُ أن يقال: ما أهداه من أعمال البرِّ إلى الميت فقد صار ملكًا له، فلا يبطلُ برِدَّة فاعله بعد خروجه عن ملكه، كتصرُّفاته التي تصرَّفها قبل الرِّدَّة، من عِتْق وكفَّارة٢، بل لو حجَّ عن معضوبٍ، ثم ارتدَّ بعد ذلك لم يلزم المعضوبَ أن يُقيم غيره يحج عنه، فإنه لا يُؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أنَّ الفرقَ بين الحي والميّت [٨٤ أ] أنّ الحيَّ ليس بمحتاج٣ كحاجة الميت، إذ يمكنه أن يباشر ذلك العمل أو نظيره، فعليه٤ اكتسابُ الثواب بنفسه وسَعْيه، بخلاف الميت.
وأيضًا فإنه يفضي إلى اتِّكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإنَّ أربابَ الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعاتُ معاوضاتٍ، وذلك يفضي إلى إسقاط العباداتِ والنوافل، ويصير ما يُتقرَّب به إلى الله يُتقرَّب٥ به إلى الآدميين، فيخرج عن