الروح

عن أبي؟ فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت، [٨٥ أ] لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم. فهذا لا يُعرف أنه ﷺ سُئل عنه قطُّ، ولا يُعرف عن أحد من الصحابة أنه فعله، وقال١: اللهم اجعل لفلان ثوابَ عملي المتقدِّم، أو ثوابَ ما عملتُه لنفسي.

فهذا سِرُّ الاشتراط، وهو أفقهُ. ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل، فإذا تبرَّع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يُهديه إليه٢ من ماله.

فصل

وأما قولكم: لو ساغ الإهداءُ لساغ إهداءُ ثواب الواجبات التي تجب على الحيِّ.

فالجواب: أنَّ هذا الإلزامَ محالٌ على أصل من شَرَط في الوصول نيةَ الفعل عن الميت، فإن الواجبَ لا يصح أن يفعله عن الغير، فإن هذا واجبٌ على الفاعل يجب عليه أن ينويَ به القُربة إلى الله.

وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير، فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب فرضٍ من فروضه؟

فيه وجهان. قال أبو عبد الله بن حمدان: وقيل: إن جعل له ثوابَ فرض من صلاة أو صوم أو غيرهما جاز وأجزأ فاعلَه.

قلت: وقد نُقِل عن جماعة أنهم جعلوا ثوابَ أعمالهم من فرض ونفل

  1. (١) ما عدا (أ، ق، غ): «أو قال».
  2. (٢) ساقط من (ن).
394

للمسلمين، وقالوا: نلقى الله بالفقر والإفلاس المجرَّد١! والشريعة لا تمنع من ذلك، فالأجرُ ملكُ العامل٢ فإن شاء أن يجعلَه لغيره، فلا حجرَ عليه في ذلك. والله أعلم.

فصل

وأما قولكم: إنَّ التكاليفَ امتحان وابتلاء، لا تقبل٣ البدلَ؛ إذ المقصود منها عينُ المكلَّف العامل إلى آخره.

فالجوابُ عنه: أنَّ ذلك لا يمنع إذنَ الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله. بل هذا من تمام إحسان الربِّ ورحمته لعباده، ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها لهم، التي مبناها على العدل، والإحسان، والتعاون٤. والربُّ تعالى أقام ملائكتَه وحَمَلة عرشه يدعون لعباده المؤمنين، ويستغفرون لهم، ويسألونه لهم٥ أن يَقيهم السيئاتِ. وأمر خاتمَ رسله٦

  1. (١) ذكر المصنف ﵀ في مدارج السالكين أن من له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله لم يُبقِ له نظرُه في سيئاته حسنةً البتة، فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف؛ لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله (١/ ٢٢١). وهذا لا غبار عليه. أما ما نقله هنا عن جماعة ــ والظاهر أنهم من المتصوفة ــ من التخلِّي عن أعمالهم بإهدائها إلى المسلمين ليلقوا الله بالإفلاس، فأمر غريب، وتأييد المؤلف لهم أغرب.
  2. (٢) (ن): «للعامل». (ب، ط، ج): «الفاعل».
  3. (٣) (ب، ط، ج): «لا يقبل». والمثبت من (ق، غ).
  4. (٤) (ق): «التعارف»، تصحيف.
  5. (٥) ساقط من (ن).
  6. (٦) (أ، غ): «خاتم الرسل».
395

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي