كتاب الروح من أشهر كتب ابن القيم. ذكره المترجمون له ضمن مؤلفاته، وأقبل على نسخه الورَّاقون، واستفاد منه أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم وعلى تباعد أزمانهم وبلدانهم. فمنهم من تلمذ لابن القيم، ومنهم من عاصره. ومنهم الحنبلي والشافعي والحنفي، ومنهم الشامي والمصري والعراقي والنجدي واليماني. ومنهم من اختصره أو لخصه وأعاد ترتيبه، ومنهم من اقتصر على النقل منه. ومنهم من أعجب به وأثنى عليه. ولكن لم نر منهم من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر مَن تردّد في نسبة الكتاب إلى ابن القيم. بل ألفيناهم جميعًا مطبقين على عزوه إليه عزوًا صريحًا، حتى كانت سنة ١٣٨٤، إذ ظهر في مجلة "الهدي النبوي" الصادرة في القاهرة عنوان "هل كتاب الروح ليس لابن القيم؟ ". وذلك في ذيل الحلقة الثالثة من سلسلة مقالات الشيخ محمد نجيب المطيعي ﵀ في تعقب أحاديث وحكايات واردة في كتاب الروح١. قال الشيخ: "سألني أخي الأستاذ جميل غازي رئيس قسم الثقافة والتوجيه المعنوي بالعلاقات العامة بمحافظة الدقهلية عما إذا كان هذا الكتاب (الروح) هو لابن القيم قطعًا، أم أنه منسوب إليه؟ وهل هذا الكتاب يتفق مع منهج ابن القيم الذي عُرف بالدقة والضبط والتثبت؟ فأقول: إن هذا الكتاب لابن القيم يقينًا، وذلك للأسباب الآتية".
(١) المجلد ٢٩، العدد ١٢، شهر ذي الحجة، ص ٤١ ــ ٤٢. وقد أوقفني عليه أخي الشيخ جديع بن محمد الجديع، فجزاه الله خيرًا.
ثم ذكر خمسة أسباب أهمُّها: ما ذكره ابن القيم في كتاب الروح أن بعضهم رأى شيخ الإسلام ابن تيمية في المنام بعد موته؛ وقال: إن ذلك لا يدل على صحة نسبة الكتاب إلى ابن القيم فحسب، بل يدل على زمن تأليفه أيضًا، وهو بعد وفاة شيخ الإسلام.
واستدل بمنهج ابن القيم في البحث وأسلوبه وموضوعات الكتاب، وقال: "والذي يشكُّ في نسبة الكتاب إلى الشيخ عليه أن يثبت من كتبه الأخرى ما يهدم القضايا البارزة في كتابه هذا".
والظاهر أن السائل ــ وهو الشيخ جميل غازي ﵀ ــ لم يصدر في سؤاله عن دراسة لكتاب الروح، ولعل نقد الشيخ المطيعي لبعض الروايات والآثار الواردة فيه أثار في نفسه الشك في نسبة الكتاب، فكتب إليه مستفسرًا.
ثم أخرج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ سنة ١٣٩٨١ كتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات" لخير الدين الآلوسي (ت ١٣١٧) وصدّره بمقدمة ضافية ذكر فيها كتاب الروح أولًا في حاشيتها (ص ٤٠) فقال: "كتاب الروح المنسوب لابن القيم". ثم في (ص ٦٠) أورد كلامًا لابن القيم مع الرد عليه وقال: " ... ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة الروح إليه، أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم، والله أعلم".
(١) وهي تاريخ مقدمة الشيخ الألباني لكتاب الآلوسي. وفيها صدرت الطبعة الأولى من الكتاب فيما يبدو، فإن طبعته الثانية صدرت في العام التالي ١٣٩٩.