ثور: يُصام عنه١ النذر وغيره٢. وقال الحسنُ بن صالح في النذر: يصومُ عنه وَليُّه٣.
فصل
وأمَّا قولكم: ابن عباس هو روَى حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم [٨٧ ب] أحدٌ عن أحد؛ فغاية هذا أن يكون الصحابيُّ قد أفتى بخلاف ما رواه. وهذا لا يقدح في روايته، فإنَّ روايته معصومةٌ، وفتواه غير معصومة. ويجوز أن يكون نسي الحديثَ، أو تأوَّله، أو اعتقد له معارضًا راجحًا في ظنِّه أو لغير ذلك من الأسباب؛ على أنَّ فتوى ابن عباس غيرُ معارضةٍ للحديث، فإنه أفتى في رمضان أنه لا يصوم أحدٌ عن أحد، وأفتى في النذر أنه يُصام عنه. وليس هذا بمخالف لروايته، بل حَمَل الحديث على النذر.
ثم إنَّ٤ حديثَ: «من مات، وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه» هو ثابت من رواية عائشةَ، فهَبْ أنَّ ابن عباس خالفه، فكان ماذا؟ فخلافُ ابن عباس لا يقدحُ في رواية أمِّ المؤمنين، بل ردُّ قول ابن عباس بروايةِ عائشة أولى من ردِّ روايتها بقوله.
(٣) كلام ابن عبد البر في التمهيد يدل على أن الحسن بن صالح يرى الإطعام في قضاء رمضان والنذر جميعًا كأبي حنيفة والثوري والشافعي إلا أنه إذا لم يوجد ما يطعم عنه صام عنه وليُّه.
(٤) في (ب، ط) أقحم بعدها: «من».
وأيضًا فإنَّ ابنَ عباس١ قد اختُلِف عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاطُ الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى وبالحديث.
فصل
وأما قولكم: إنه حديثٌ اختلف٢ في إسناده٣، فكلامُ مُجازفٍ لا يُقبَل قوله، فالحديث صحيحٌ ثابت متَّفَق على صحته٤، رواه صاحبا الصحيح٥ ولم يُختلَف في إسناده.
قال ابن عبد البر: ثبت٦ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «من مات، وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه»٧. وصحَّحه الإمام أحمد، وذهب إليه. وعلَّق الشافعي القولَ به على صحته، فقال: وقد رُوي عن النبي ﷺ في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتًا صِيم عنه كما يُحَج عنه٨. وقد ثبت بلا شك، فهو مذهب الشافعي. كذلك قال غير واحدٍ من أئمة أصحابه. قال البيهقي بعد
(١) ما عدا الأصل و(غ): «وأيضًا فابن عباس».
(٢) (ن): «مختلف».
(٣) يعني حديث عائشة الآتي، وقد سبق في فصل وصول ثواب الصوم إلى الميت.
(٤) في (ب، ط، ج): «فالحديث متفق عليه ثابت».
(٥) (ب، ط، ن): «صاحب الصحيح».
(٦) «ثبت» ساقط من (ط).
(٧) الاستذكار (٣/ ٣٤٠).
(٨) قاله الشافعي في كتاب المناسك في القديم، كما في معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٠٩) والسنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٢٥٦).