وأما قولكم: إنه معارَض بحديث ابن عمر: «من مات، وعليه صوم رمضان، يُطعَم عنه»١، فمن هذا النمط، فإنه حديثٌ باطل على رسول الله ﷺ.
قال البيهقي: حديثُ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ: «من مات وعليه صومُ رمضانَ يُطعم عنه» = لا يصحُّ٢. ومحمد بن عبد الرحمن كثيرُ الوَهَم، وإنما رواه أصحابُ نافع عن نافع عن ابن عمر من قوله٣.
وأما قولكم: إنه معارَضٌ بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة، فإنَّ أحدًا لا يفعلها عن أحد؛ فلَعَمرُ الله، إنّه لَقياسٌ٤ جَليُّ البطلان والفساد؛ لِردِّ سنة رسول الله ﷺ الصحيحةِ الصريحة له، وشهادتها ببطلانه.
وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاعِ المسلم بما يُهديه إليه أخوه المسلمُ من ثواب صيامٍ أو صدقة أو صلاة. ولَعمرُ الله إنَّ الفرقَ بينهما أوضحُ من أن يخفى. وهل في القياس أفسَدُ من قياس انتفاع المرء المسلم بعد موته بما يُهديه إليه أخوه المسلمُ من ثواب عمله٥، على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، أو قبولِ التوبة عن المجرم بعد موته؟
(١) «وأما قولكم» ثم نصّ الحديث ساقط من (ب). وقد سبق تخريج الحديث في فصل وصول ثواب الصوم.
(٢) في (ب، ط، ج) زيادة «عنه».
(٣) معرفة السنن والآثار (٦/ ٣١١).
(٤) (ب): «إن القياس».
(٥) (ب، ط): «عمل».
فصل
وأما١ كلامُ الشافعي ﵀ في تغليط راوي حديث ابن عباس أنَّ نذرَ أمِّ سعد كان صومًا؛ فقد أجاب عنه أنصَرُ الناس له، وهو البيهقيُّ، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال في كتاب «المعرفة»٢ بعد أن حكى كلامه: قد ثبت جوازُ القضاء عن الميِّت برواية سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، عن ابن عباس. وفي رواية أكثرهم: أنَّ امرأةً سألت، فأشبهَ أن يكون غير قصّة أم سعد. وفي رواية بعضهم: «صُومي عن أمِّك».
قال: ويشهد له بالصحة روايةُ عبد الله٣ بن عطاء المدني قال: حدَّثني عبد الله بن بُريدة٤ الأسلميُّ عن أبيه قال: كنتُ عند النبيِّ ﷺ، فأتَتْه امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله، إنّي كنتُ تصدَّقتُ بوليدةٍ على أمِّي، فماتتْ، وبقيت الوليدة. قال: «قد وجب٥ أجرُكِ، ورجعَت إليك في الميراث». قالت: فإنها ماتتْ، وعليها صومُ شهر؟ قال: «صُومي عن أمِّك». قالت: وإنها ماتَتْ، ولم تحُجَّ؟ قال: «فحُجِّي عن أمِّك». رواه مسلم في «صحيحه» من أوجُهٍ عن عبد الله [٨٩ أ] بن عطاء٦. انتهى.
(١) (ب، ج): «فأما». وزاد بعد «كلام» في (ق): «الإمام».
(٢) معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٠٩ ــ ٣١٠).
(٣) (ب، ط): «عبد الملك». وصحح في حاشية (ط).
(٤) (أ، غ): «عبد بن بريدة».
(٥) (ب، ط، ج): «وقع».
(٦) وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ١٥١). وقد سبق تخريج حديث بريدة في فصل وصول ثواب الصوم.