قال: «نعم، ولكِ أجر»١. ولم يقل: إنما له ثوابُ الإنفاق، بل أخبر٢ أنَّ له حجًّا، مع أنه لم يفعل شيئًا، بل وليُّه ينوب عنه في أفعال المناسك.
ثم إنَّ النائبَ عن الميت قد لا يُنفق شيئًا في حجَّته غيرَ نفقةِ مقامه، فما الذي يجعل ثوابَ نفقةِ مقامه للمحجوج عنه، وهو لم ينفقها على الحجِّ؟ بل تلك نفقته، أقام أم سافر. فهذا القولُ تردُّه السُّنَّة والقياس. والله أعلم.
فصل
فإن قيل: فهل٣ تشترطون في وصولِ الثواب أن يُهدِيَه بلفظه، أم يكفي في وصوله مجرّدُ نية العامل أن يُهديه إلى الغير؟
قيل: السُّنَّة لم تشترط التلفُّظَ بالإهداء في حديث واحد، بل أطلق ﷺ الفعلَ٤ عن الغير، كالصوم والحجِّ والصدقة، ولم يَقُلْ لفاعِل ذلك: قل: اللهم هذا عن فلان بن فلان. والله سبحانه يعلمُ نيةَ العبد وقصدَه بعمله، فإن ذكره جاز، وإن ترك ذِكْرَه واكتفى بالنية والقصد وصل إليه، ولا يحتاج أن
(١) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (١٣٣٦). ولم يرد «ولك أجر» في (ب، ط، ج).
(٢) في (ب، ط، ج): «فأخبر» في موضع «بل أخبر».
(٣) (ق): «وهل».
(٤) (ب، ط، ج): «بالفعل».
يقول: اللهم إني صائمٌ غدًا عن فلان بن فلان. ولهذا ــ والله أعلم ــ اشترطَ مَن اشترط نيةَ الفعل عن الغير قبله، ليكونَ واقعًا بالقصدِ عن الميت. فأمَّا إذا فعله لنفسه، ثم نوى أن [٩٠ أ] يجعلَ ثوابَه للغير، لم يَصِرْ للغير١ بمجرد النية، كما لو نوى أن يَهَب أو يُعتِقَ أو يتصدَّقَ لم يحصل ذلك بمجرد النية٢.
ومما يوضِّح ذلك أنه لو بنى مكانًا بنية٣ أن يجعلَه مسجدًا أو مدرسةً أو سِقايةً٤ ونحو ذلك صار وَقْفًا بفعله مع النية، ولم يحتَجْ إلى تلفظ٥، وكذلك لو أعطى الفقير مالًا بنية الزكاة سقطَتْ عنه الزكاة، وإن لم يتلفَّظ٦ بها.
وكذلك لو أدَّى عن غيره دَيْنًا، حيًّا كان أو ميتًا، سقط من ذمَّته، وإن لم يقُلْ: هذا٧ عن فلان.
فإن قيل: فهل يتعينَّ عليه تعليقُ الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنتَ قبلتَ هذا العملَ، وأثبتَني عليه، فاجعَلْ ثوابَه لفلان؛ أم لا٨؟
(١) «للغير» ساقط من (ب).
(٢) «يجعل ثوابه ... النية» ساقط من (ب، ن).
(٣) (ط): «نيتُه».
(٤) (ب، ط، ج): «سقاية أو مدرسة».
(٥) (ب، ط، ج): «يحتج أن يلفظ».
(٦) (ب، ط، ج): «يلفظ».
(٧) في (ب، ج) قبل «هذا»: «اللهم»، وفي (ط): «اللهم إنّ».