الروح

وكذلك الدعاء [٩٠ ب] والاستغفار١ له إذا كان بصدقٍ من الداعي وإخلاص وتضرُّع، فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على جنازته، والوقوف للدعاء على قبره.

وبالجملة، فأفضلُ ما يُهدَى إلى الميت: العِتْق، والصدقة، والاستغفار له، والدعاء له، والحجُّ عنه.

وأمَّا قراءةُ القرآن وإهداؤها له تطوعًا بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل٢ ثوابُ الصوم والحجِّ٣.

فإن قيل: فهذا لم يكن معروفًا في السلف، ولا يمكن نقلُه عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير، ولا أرشَدهم النبيُّ ﷺ إليه٤. وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحجِّ والصيام، فلو كان ثوابُ القراءة يصل لأرشدَهم إليه، ولكانوا٥ يفعلونه.

فالجواب: أنَّ مُوردَ هذا السؤال إن كان معترِفًا بوصول ثواب الحجِّ والصيام والدعاء والاستغفار، قيل له: ما هذه الخاصيَّة التي مَنعتْ وصولَ ثواب القرآن، واقتضَتْ وصول ثواب هذه الأعمال، وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات! وإن لم يعترِفْ بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج

  1. (١) (ب، ط، ج): «الاستغفار والدعاء».
  2. (٢) بعده في (ب، ط) زيادة: «إليه».
  3. (٣) أورد شارح الطحاوية (٤٦٤ - ٤٦٥) كلام ابن القيم في هذه المسألة بنصه ملخصًا، دون إشارة إليه.
  4. (٤) «إليه» ساقط من (ن).
  5. (٥) (ط): «وكانوا».
416

بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع.

وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف، فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويُهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يُشهِد من حضرَه من الناس على أنَّ ثواب هذه القراءة لفلان الميت، بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.

ثم يقال لهذا القائل: لو كُلِّفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثوابُ١ هذا الصوم لفلان لعجزتَ، فإنَّ القومَ كانوا أحرصَ شيء على كتمان٢ أعمال البرِّ، فلم يكونوا [٩١ أ] لِيُشهِدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.

فإن قيل: فرسول الله ﷺ أرشدَهم إلى الصوم والصدقة والحجِّ٣ دون القراءة.

قيل: هو ﷺ لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرجَ الجواب لهم، فهذا سأله عن الحجِّ عن ميته، فأذِنَ له، وهذا سأله عن الصيام، فأَذِنَ له، وهذا سأله عن الصدقة فأَذِنَ له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك. وأيُّ فَرْقٍ بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرَّدُ نية وإمساك، وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟

والقائل: إنَّ أحدًا من السلف لم يفعل ذلك قائلٌ ما لا علْمَ له به، فإن

  1. (١) (ب، ط، ج): «إن ثواب». وكتب بعضهم في الأصل فوق السطر: «اجعل» أي: «اجعل ثواب». وكذا في (غ).
  2. (٢) «كتمان» ساقط من (ب، ط، ج).
  3. (٣) (ب، ط، ج): «الحج والصدقة».
417

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي