وإذا كانت مُحدَثة مخلوقة، وهي من أمر الله، فكيف يكون أمرُ الله مُحدَثًا مخلوقًا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخَ في آدم من روحه، فهذه الإضافةُ إليه هل تدلُّ على أنها٢ قديمة أم لا؟ وما حقيقة هذه الإضافة٣؟ فقد أخبر عن آدم أنه خلَقه بيده، ونفخَ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة.
فهذه مسألةٌ زلَّ فيها عالَم، وضلَّ فيها طوائف من بني آدم. وهدى الله أتباعَ رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين. فأجمعت الرسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ على أنها محدَثةٌ مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبَّرة. هذا معلومٌ بالاضطرار من دين الرسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ كما يُعلَم بالاضطرار من دينهم أنَّ العالَم حادث، وأنَّ معاد الأبدان واقع، وأنَّ الله وحده الخالق٤، وكلُّ ما سواه مخلوق له.
وقد انطوى عصرُ الصحابة والتابعين وتابعيهم ــ وهم القرون المفضَّلة٥ ــ على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها، وأنها مخلوقة
(١) (ن): «المسألة الثامنة عشرة». ولم يرد فيها «فصل وأما».
(٢) «أنها» ساقط من (ق).
(٣) (ن): «الأوصاف»، تحريف.
(٤) (ط): «خالق».
(٥) في (ق): «الفضيلة». و«القرون المفضلة» ساقطة من (ن).
حتى نبغَت نابغةٌ ممن قَصَر فهمه في الكتاب والسُّنَّة، فزعم أنها قديمة غير مخلوقة. واحتجَّ على ذلك١ بأنها من أمر الله، وأمرُه٢ غير مخلوق، وبأن الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علِمه وكتابه٣ وقدرته وسمعه وبصره ويدَه. وتوقَّف آخرون، وقالوا: لا نقول: مخلوقة ولا غير مخلوقة٤.
وسُئل عن ذلك حافظُ أصبهان أبو عبد الله بن منده، فقال٥: أما بعد، فإنَّ سائلًا سألني عن الروح التي جعَلها الله سبحانه قِوامَ أنفُسِ٦ الخلق وأبدانهم، وذكَر أنَّ أقوامًا تكلَّموا في الروح، وزعموا أنها غير مخلوقة، وخصَّ بعضهم منها أرواحَ القدس، وأنها من ذات الله.
قال: وأنا أذكر اختلاف أقاويل متقدِّميهم، وأبيِّن ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر وأقاويل الصحابة والتابعين وأهل العلم. وأذكر بعد ذلك وجوهَ الروح من الكتاب والأثر، وأوضِّح به٧ خطأ المتكلِّم في الروح بغير علم، وأنَّ كلامهم يوافق قولَ جهم٨ وأصحابه. فنقول وبالله التوفيق:
إنَّ الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلِّها من النفس، فقال بعضهم:
(١) «على ذلك» من (أ، غ) فقط.
(٢) (ط): «أمر الله».
(٣) (ب، ج): «حياته».
(٤) «وتوقف ... مخلوقة» ساقط من (ط). و«لا غير مخلوقة» ساقط من (ب).
(٥) (أ، غ): «قال». والظاهر أن النقل من مقدمة كتاب الروح والنفس لابن منده.