الأرواح كلُّها مخلوقة. وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر. واحتجَّت بقول النبي ﷺ: «الأرواح جنود مجنَّدة، فما تعارَف منها ائتلف، وما تناكرَ منها اختلف»١. والجنود المجنَّدة لا تكون إلا مخلوقة.
وقال بعضهم: الأرواح من أمر الله، أخفى الله حقيقتَها وعِلمَها عن الخلق. واحتجَّتْ بقول الله٢ تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[الإسراء: ٨٥].
وقال بعضهم: الأرواح نور من نور الله تعالى وحياة من حياته٣. واحتجَّتْ بقول النبي ﷺ: «إنَّ الله خلقَ خلْقَه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره»٤.
ثم ذكر الخلافَ في الأرواح، هل تموت أم لا؟ وهل تعذَّب مع الأجساد في البرزخ؟ وفي مستقرِّها بعد الموت، وهل هي النفس أو غيرها؟
(١) سبق تخريجه في المسألة الرابعة عشرة.
(٢) (ب، ن): «بقوله».
(٣) و«احتجت بقول الله ... حياته» ساقط من (ب).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٤٢)، والإمام أحمد (٦٨٥٤)، وابن أبي عاصم في السُّنَّة (٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤)، وابن حبان (٦١٦٩، ٦١٧٠)، من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله يقول (فذكره) وزاد: «فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ، فلذلك أقول: جفّ القلم على علم الله». وقال الترمذي: «هذا حديث حسن». وأخرجه الإمام أحمد (٦٦٤٤)، والحاكم (١/ ٣٠) من هذا الوجه في حديث طويل، وقال الحاكم: «هذا صحيح قد تداوله الأئمة» وهو كما قال. (قالمي)
وقال محمد بن نصر المروزيُّ في كتابه١: تأوَّل صنفٌ من الزنادقة وصنفٌ٢ من الروافض في روح آدم ما تأوَّلت٣ النصارى في روح عيسى، وما تأوَّله قومٌ من أن الروح انفصل من ذات الله، فصار [٩٢ ب] في ذات المؤمن٤. فعَبَد صنفٌ من النصارى عيسى ومريم جميعًا لأنَّ عيسى عندهم روحٌ من الله صار في مريم، فهو غير مخلوق عندهم٥.
وقال صنفٌ من الزنادقة وصنفٌ من الروافض: إنَّ روحَ آدم مثل ذلك أنه غير مخلوق٦. وتأوَّلوا قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾[الحِجر: ٢٩]. وقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾[السجدة: ٩]. فزعموا أنَّ روحَ آدم ليس بمخلوق، كما تأوَّل من قال: إن النورَ من الربِّ غير مخلوق، وقالوا: ثم صار بعد آدم في الوصيِّ بعده، ثم هو في كل نبيٍّ ووصيٍّ إلى أن صار في عليٍّ، ثم في الحسن والحسين، ثم في كل وصيٍّ وإمام. فبه يعلم الإمامُ كلَّ
(١) لم يصرّح المصنف باسم الكتاب. وقد نقل من قبل في المسألة الخامسة عشرة في مستقرّ الأرواح من كتابه في الرد على ابن قتيبة. وقد نص الحافظ في الفتح (٨/ ٤٠٤) على أن ابن منده في كتاب الروح له نقل عن المروزي الإجماع على كون الروح مخلوقة. فلا يبعد أن يكون هذا النقل كسابقه من كتاب ابن منده.
(٢) «وصنف» ساقط من (ب، ج).
(٣) ما عدا (أ، غ): «تأولته».
(٤) ما عدا (أ، غ): «في المؤمن». نقله التيمي في كتاب الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٦٩) بلفظ: «أن النور والروح انفصلا من ذات الله ﷿ فصارا في المؤمن».