ولا خلافَ بين المسلمين أنَّ الأرواحَ التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلَّها مخلوقةٌ لله، خلَقَها٢، وأنشأها، وكوَّنها، واخترعها؛ ثم أضافَها إلى نفسه كما أضاف إليه سائرَ خلقه. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾[الجاثية: ١٣]٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية٤: روحُ الآدمي مخلوقةٌ مبتدَعةٌ٥ باتِّفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة. وقد حَكى إجماعَ العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو من أعلم أهل زمانه٦ بالإجماع والاختلاف. وكذلك أبو محمد بن قُتيبة قال في كتاب «اللفظ»٧ لما تكلَّم على الروح، قال: النَّسَم: الأرواح. قال: وأجمعَ الناس على أنَّ الله تعالى هو فالقُ
(١) في (أ، غ) دون واو العطف قبله. وفي (ط) بعده: «إلى».
(٢) السياق في كتاب الحجة: «مخلوقة. اللهُ خلَقَها».
(٣) هنا انتهى النقل من كتاب المروزي. وقد نقل أبو القاسم التيمي في كتاب الحجة (١/ ٥٠٦ ــ ٥٠٧) هذه الفقرة، ثم الفقرة الأولى، دون قوله: «وقال صنف من الزنادقة ... يتعلم من أحد».
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢١٦ ــ ٢٢٠).
(٥) ما عدا (أ، غ): «مبدعة».
(٦) «أهل» ساقط من (ب، ج). وفي (ط): «هو أعلم من».
(٧) وهو كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية. انظر: طبعة دار الراية (٦٦) وطبعة العلمية (٥٦).
الحبَّة١، وبارئ النَّسَمة، أي: خالق الروح.
وقال أبو إسحاق ابن شاقْلا٢ فيما أجاب به في هذه المسألة: سألتَ ــ رحمك الله ــ عن الروح مخلوقةٌ هي، أو غيرُ مخلوقة؟ قال: وهذا مما لا يشُكُّ فيه مَن وُفِّق للصواب أنَّ الروحَ من الأشياء المخلوقة.
وقد [٩٣ أ] تكلَّم في هذه المسألة طوائفُ من أكابر العلماء والمشايخ، وردُّوا على من يزعم أنها غير مخلوقة. وصنَّف الحافظُ أبو عبد الله ابن منده في ذلك كتابًا كبيرًا. وقبله الإمام محمد بن نصر المروَزي وغيره، والشيخ أبو سعيد الخرَّاز، وأبو يعقوب النهرَجُوري٣ والقاضي أبو يعلى.
وقد نصَّ على ذلك الأئمة الكبار، واشتدَّ نكيرُهم على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم، فكيف بروح غيره! كما ذكره الإمام أحمد فيما كتبه في محبِسه٤ في «الرد على الزنادقة والجهمية»٥:
«ثم إنَّ الجهميَّ ادَّعى أمرًا، فقال: أنا أجد آيةً في كتاب الله مما يدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
(١) (ب، ج): «فالق الحب والنوى». وفي (ن): «فالق الحبّ وبارئ النسم ... الأروح». وفي طبعة دار الراية: «خالق الجن»، تحريف.
(٢) هنا أيضًا ضبط في (ق) بسكون القاف مع علامة صح، وانظر ما سبق في (ص ٩٩).
(٣) أبو سعيد (ت ٢٧٩) من أصحاب ذي النون، وأبو يعقوب (ت ٣٣٠) من أصحاب الجنيد. انظر: طبقات الصوفية للسلمي (٢٢٨، ٣٧٨). وقد ذكر شيخ الإسلام من كلامهما على الروح. مجموع الفتاوى (٤/ ٢٢٠ ــ ٢٢١).
(٤) في (ب، ن): «مِحنته»، وهو مع صحة معناه تصحيف. انظر: منهاج السُّنَّة (٥/ ١٩٠) ودرء التعارض (١/ ١٢٠).