﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ [٩٣ ب] مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾[الجاثية: ١٣]. يقول: من أمره. وتفسيرُ روح الله إنما معناها: بكلمة الله خلَقَها، كما يقال: عبد الله، وسماءُ الله، وأرضُ الله»١.
فقد صرَّح٢ بأنَّ روحَ المسيح مخلوقة، فكيف بسائر٣ الأرواح! وقد أضاف الله سبحانه إليه الروحَ الذي أرسله إلى مريم، وهو عبده٤ ورسوله، ولم يدلَّ ذلك على أنه قديم غير مخلوق، فقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ١٧ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ١٨ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ ــ ١٩]. فهذا الروح هو روح الله، وهو عبده٥ ورسوله.
وسنذكر إن شاء الله أقسامَ المضاف إلى الله، وأنَّى يكون المضاف صفةً له قديمة؟ وأنَّى يكون مخلوقًا؟ وما ضابط ذلك؟
فصل
والذي يدلُّ على خَلْقها وجوه:
أحدها: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾[الزمر: ٦٣]. فهذا لفظٌ عامٌّ لا تخصيصَ فيه بوجهٍ ما. ولا يدخل في ذلك صفاتُه، فإنها داخلةٌ في
(١) انتهى النقل من كتاب الرد على الزنادقة والجهمية.
(٢) يعني الإمام أحمد. وقارن بمجموع الفتاوى (٤/ ٢٢٠).
(٣) (ب، ط، ج): «سائر».
(٤) (ط): «عبد الله».
(٥) (ط): «عبد الله».
مُسمَّى اسمه. فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعِلمُه وقدرتُه وحياتُه وإرادتُه وسمعُه وبصرُه وسائرُ صفاته داخلٌ في مسمَّى اسمه، ليس داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما لم تدخُل ذاته فيها. فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالقُ، وما سواه مخلوقٌ، ومعلومٌ قطعًا أنَّ الروحَ ليست هي الله، ولا صفةً من صفاته، وإنما هي مصنوعٌ من مصنوعاته؛ فوقوعُ١ الخَلْق عليها كوقوعه على الملائكة والجنِّ والإنس.
الوجه الثاني٢: قوله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾[مريم: ٩]. وهذا الخطابُ لروحه وبدنه، ليس لبدنه فقط. فإنَّ البدنَ وحده لا يَفهم، ولا يخاطَب، ولا يَعقِل؛ وإنما الذي يفهَم ويَعقِل ويخاطَب هو الروح.
الرابع: قوله [٩٤ أ]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾[الأعراف: ١١]. وهذا الإخبار إما أن يتناول أرواحنا وأجسادنا، كما يقوله الجمهور؛ وإما أن يكون واقعًا على الأرواح قبل خَلْق الأجساد، كما يقوله من يزعم ذلك٣. وعلى التقديرين فهو صريحٌ في خلق الأرواح.
الخامس: النصوص الدالَّة على أنه سبحانه ربُّنا وربُّ آبائنا الأولين وربُّ كل شيء. وهذه الرُّبوبية شاملةٌ لأرواحنا وأبداننا، فالأرواحُ مربوبة له