الروح

مملوكة١، كما أنَّ الأجسامَ٢ كذلك، وكلُّ مربوبٍ مملوكٍ فهو مخلوقٌ.

السادس: أولُ سورة في القرآن ــ وهي الفاتحة ــ تدلُّ على أنَّ الأرواحَ مخلوقة من عدَّة أوجه:

أحدها٣: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والأرواح من جُملة العالَم، فهو ربُّها.

الثاني: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فالأرواح عابدة له، مستعينة به. ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودةً مستعانًا بها.

الثالث: أنها فقيرة إلى هدايةِ فاطرِها وربِّها، تسأله أن يهديها صراطَه المستقيم.

الرابع: أنها منعمٌ عليها مرحومة، ومغضوبٌ عليها وضالَّة شقيّة٤. وهذا شأنُ المربوب المملوك، لا شأنُ القديم غيرِ المخلوق.

الوجه السابع٥: النصوص الدالَّة على أنَّ الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديَّته واقعة على بدنه دون روحه، بل عبوديةُ الروح أصلٌ، وعبودية البدن تَبَعٌ، كما أنه تَبَعٌ لها في الأحكام، وهي التي تُحرِّكه وتستعمله،

  1. (١) بعده في (أ، غ): «مخلوقة»، ولعله من سهو الناسخ. وفي (ن) ورد «له» بعد «مملوكة».
  2. (٢) (ن): «الأجساد».
  3. (٣) (ن): «الأول».
  4. (٤) «صراطه ... شقية» ساقط من (ن).
  5. (٥) «الوجه» ساقط من (أ، غ).
429

فهو١ تَبَعٌ لها في العبودية.

الوجه الثامن: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. فلو كانت روحه قديمةً لكان الإنسانُ لم يزَل شيئًا مذكورًا، فإنه إنما هو إنسانٌ بروحه، لا ببدنه فقط، كما قيل٢:

يا خادمَ الجسمِ كم تشقَى بخدمتهفأنت بالروح، لا بالجسم، إنسانُ٣

[٩٤ ب] الوجه التاسع: النصوص الدالَّة على أنَّ الله سبحانه كان، ولم يكن شيءٌ غيرُه، كما ثبت في «صحيح البخاري»٤ من حديث عمران بن حُصين أن أهلَ اليمن قالوا: يا رسولَ الله، جئناك لِنتفقَّه في الدين، ونسألَك عن أول هذا الأمر، فقال: «كان الله، ولم يكن شيء غيرُه. وكان عرشُه على الماء، وكتَبَ في الذِّكر كلَّ شيء». فلم يكن مع الله أرواحٌ ولا نفوسٌ قديمةٌ يساوي وجودُها وجودَه، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا، بل هو الأول وحده، لا يشاركه غيره في أوَّليته بوجهٍ من الوجوه.

الوجه العاشر: النصوصُ الدالَّة على خلق الملائكة. وهم أرواحٌ

  1. (١) (أ، ق، غ): «وهو».
  2. (٢) بعده في الأصل: «شعر».
  3. (٣) كذا أنشده المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٢) ومدارج السالكين (٣/ ٧٤) وهو ملفق من بيتين لأبي الفتح البستي. وهما في ديوانه (١٨٣). ووردا على الصواب في عدة الصابرين للمؤلف (٦٨):
    يا خادمَ الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربحَ فيما فيه خُسرانُ
    أقبِلْ على النفس فاستكمِلْ فضائلَها ... فأنت بالنفس، لا بالجسم، إنسانُ
  4. (٤) برقم (٣١٩١).
430

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي