الوجه الثامن: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾[الإنسان: ١]. فلو كانت روحه قديمةً لكان الإنسانُ لم يزَل شيئًا مذكورًا، فإنه إنما هو إنسانٌ بروحه، لا ببدنه فقط، كما قيل٢:
يا خادمَ الجسمِ كم تشقَى بخدمتهفأنت بالروح، لا بالجسم، إنسانُ٣
[٩٤ ب] الوجه التاسع: النصوص الدالَّة على أنَّ الله سبحانه كان، ولم يكن شيءٌ غيرُه، كما ثبت في «صحيح البخاري»٤ من حديث عمران بن حُصين أن أهلَ اليمن قالوا: يا رسولَ الله، جئناك لِنتفقَّه في الدين، ونسألَك عن أول هذا الأمر، فقال: «كان الله، ولم يكن شيء غيرُه. وكان عرشُه على الماء، وكتَبَ في الذِّكر كلَّ شيء». فلم يكن مع الله أرواحٌ ولا نفوسٌ قديمةٌ يساوي وجودُها وجودَه، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا، بل هو الأول وحده، لا يشاركه غيره في أوَّليته بوجهٍ من الوجوه.
الوجه العاشر: النصوصُ الدالَّة على خلق الملائكة. وهم أرواحٌ
(١) (أ، ق، غ): «وهو».
(٢) بعده في الأصل: «شعر».
(٣) كذا أنشده المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٢) ومدارج السالكين (٣/ ٧٤) وهو ملفق من بيتين لأبي الفتح البستي. وهما في ديوانه (١٨٣). ووردا على الصواب في عدة الصابرين للمؤلف (٦٨): يا خادمَ الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربحَ فيما فيه خُسرانُ أقبِلْ على النفس فاستكمِلْ فضائلَها ... فأنت بالنفس، لا بالجسم، إنسانُ
(٤) برقم (٣١٩١).
مستغنية عن أجسادٍ١ تقوم بها، وهم مخلوقون قبلَ خلق الإنسان وروحِه، فإذا٢ كان الملَك الذي يُحدِث الروحَ في جسد ابن آدم بنفخته مخلوقًا، فكيف تكون الروحُ الحادثةُ بنفخه قديمةً٣؟
وهؤلاء الغالطون يظنون أنَّ الملَك يُرسَل إلى الجنين بروح قديمة أزليَّة ينفخها فيه، كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يلبسه إيَّاه. وهذا ضلالٌ وخطأ، وإنما يُرسِل الله سبحانه إليه الملَك، فينفخ فيه نفخةً، تحدثُ له الروحُ بواسطة تلك النفخة. فتكون النفخةُ هي سببَ حصول الروح وحُدوثها له، كما كان الوطءُ والإنزالُ سببَ تكوين٤ جسمه، والغذاءُ سببَ نموِّه. فمادَّةُ الروح من نَفْخةِ الملك، ومادَّةُ الجسم من صَبِّ الماء في الرحم. فهذه مادة سماويَّة، وهذه مادة أرضيَّة. فمن الناس من تغلِبُ عليه المادَّة السماوية، فتصير روحُه علويةً شريفةً تُناسِب الملائكة. ومنهم من تغلِبُ عليه المادَّة الأرضية، فتصير روحُه سفليةً ترابيةً مَهينةً تُناسب الأرواحَ السُّفلية. فالملَكُ أبٌ لروحه، والترابُ أبٌ لبدنه وجسمه.
الوجه الحادي عشر: حديثُ أبي هريرة الذي في «صحيح البخاري» وغيره عن النبي ﷺ: «الأرواح جنودٌ مُجنَّدةٌ، [٩٥ أ] فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تَناكرَ منها اختلفَ»٥. والجنود المجنَّدة لا تكون إلا مخلوقة.
(١) (ط): «أجسادها». (ن): «أجسادها التي».
(٢) (أ، غ): «وإذا».
(٣) في (ق، غ): «بنفخةٍ قديمةٍ» كذا مضبوطتين. وهو خطأ.